مَسْألَة: يكره أن يكون موضع الإمام أعلى من موضع المأموم
نص عليه في رواية حنبل 3، ويعقوب بن بختان 4، واللفظ ليعقوب، وقد سئل: عن الإمام أرفع من موضع مَنْ خلفَه؟ فقال: لا، ولكن لا بأس أن يكون مَنْ خلفَه أرفعَ.
وبهذا قال أبو حنيفة 5، ومالك 6 - رحمهما الله -.
وقال الشافعي - رضي الله عنه - 7: أختار للإمام الذي من خلفه الصلاة 8: أن يصلي على موضع مرتفع، فيراه من وراءه.
الجزء: 2 - الصفحة: 429
دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن عدي بن ثابت قال: حدثني رجل: أنه كان مع عمار بن ياسر - رضي الله عنه -، فقام على دكان يصلي، والناس أسفل منه، فتقدم حذيفة - رضي الله عنه -، فأخذ على يديه، فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة، فلما فرغ عمار 9 من صلاته، قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا أم الرجل القوم، فلا يقوم مقامًا أرفعَ من مقامهم"؟ قال عمار: فلذلك اتبعتك حين أخذتَ على يدي 10، فقد روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن ذلك، وأخذ بظاهر الخبر.
فإن قيل: يحمل هذا النهي عليه إذا لم يقصد به تعليم مَنْ خلفه الصلاة.
قيل له: النهي عام، فلم يجز تخصيصه إلا بدلالة، ولأن موضع الإمام أعلى من موضع المأموم، فوجب أن يكره ذلك، أصله: إذا لم يرد أن يعلِّم مَنْ خلفه، ولأنه إذا كان الإمام أعلى، لم يمكنه أن يقتدي به إلا بعد رفع رأسه إليه، وهو منهي عن ذلك.
واحتج المخالف: بما روى سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه -: أن
الجزء: 2 - الصفحة: 430
النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بنا وهو على المنبر، فركع، ورجع القهقرى حتى نزل وسجد، ثم رقى، فلما فرغ قال: "إنما فعلتُ ذلك لتأتموا بي، ولتعلّموا 11 صلاتي" 12، قال الشافعي: إنما نزل، لأنه لم يتمكن من السجود على المنبر، لتضايقه 13.
والجواب: أن هذا الخبر أفادنا الجواز، والكراهية استفدناها بما روينا؛ كما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخّر المغرب اليوم الثاني حين بَيَّنَ المواقيت 14، فأفاد بذلك الجواز، وإن كان مَنْ أخرها إلى ذلك الوقت كان مؤدِّيًا لها في وقتها، واستفدنا كراهيةَ التأخير إلى ذلك الوقت بدلالة أخرى.
فإن قيل: في الخبر ما يمنع من هذا، وهو قوله - عليه السلام -: "إنما فعلتُ ذلك، لتأتموا بي، ولتعلموا (1) صلاتي"، فامتنع أن يكون القصد به الجواز.
قيل له: فالخبر أفاد الجواز في حق من أراد أن يعلِّم مَنْ خلفه، وأن ذلك جائز، واستفدنا جواز ذلك في حق من لم يرد التعليم من موضع آخر.
الجزء: 2 - الصفحة: 431
فإن قيل: فلا يصح حملُه على الجواز؛ لأن التعليم بالفعل المكروه لا يجوز؛ لأنه يكون قد فعل ما فيه إثم، وإنما يجوز ذلك بالقول.
قيل له: ويجوز ذلك بالفعل أيضًا؛ كما بينا في تأخيره صلاة المغرب في اليوم الثاني.
واحتج: بأن المأموم يكره له أن يرفع الصوت بالتكبير، فإذا أراد إعلامَ مَنْ وراءه من المأمومين ليقتدوا بالإمام، استحب له أن يرفع صوته بها لهذا المعنى، كذلك في الموقف.
والجواب: أنا نقول له: ولم وجب هذا؟ وما العلة الجامعة بينهما؟ ثم يقال له: إذا أمكن القوم أن يعلموا صلاة الإمام يرفع صوته بالتكبيرات، أو رفع صوته بعض المأمومين (1)، ما الذي يُحْوِجه (2) إلى أن يقوم في موضع هو أعلى من موضع المأمومين؟ والله أعلم.
116 -