مَسْألَة: إذا أَمَّ رجلًا أو امرأة، فمن (1) شرط صحة الائتمام: أن ينوي إمامة من يؤمُّه:
نص عليه في رواية صالح 2، وابن منصور 3: في رجل ائتم برجل، ولم ينو ذلك الرجل أن يكون إمامَه، تجزئ الإمامَ صلاتُه، ويعيد هو.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله - 4: إن كان المأموم رجلًا، فلا حاجة به إلى النية، وإن كانت امرأة، فعليه أن ينوي ذلك.
وقال الشافعي - رضي الله عنه - 5: ليس عليه ذلك، سواء كان المأموم رجلًا أو امرأة.
دليلنا: ما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما1
الجزء: 2 - الصفحة: 438
لامرئ ما نوى" 6، وهذا الإمام لم ينو الإمامة، فيجب أن لا يحصل له ذلك، ولأن الجماعة تفتقر إلى إمام ومأموم، وأجمعنا على أن المأموم لا بد أن ينوي إمامة من يأتم به، يجب أيضًا في حق الإمام أن ينوي إمامة من يؤمه، والعلة فيه: أن الإمام أحدُ من تنعقد به الجماعة.
فإن قيل: الفرق بينهما: أن المأموم يلزمه اتباع الإمام، فلا بد من أن يقصد ذلك، ولا يجب على الإمام اتباع المأمومين، فلا يجب عليه أن ينوي أن يكون إمامًا لهم.
قيل له: كما يلزم المأمومَ نية المتابعة، كذلك يجب على الإمام نية التحمل لسجود السهو، والقراءة، وفساد صلاة الغير بفساد صلاته.
وقياس آخر: وهو أنه إمام لم ينو إمامة من يؤمه، فلم يصح الاقتداء به؛ دليله: إذا أمَّ امرأة، فإن أبا حنيفة - رحمه الله - قد قال: من شرط الإمام أن ينوي أنه يؤمها، كذلك في الرجل.
فإن قيل: الفرق بينهما: أن الإمام قد يلحقه فساد صلاته من جهة المرأة، وهو إذا وقفت بجنبه، فسدت صلاته، فلهذا لم يصح ائتمامها إلا بنية كالمأموم؛ لما لحقه فساد صلاته من جهة الإمام، لهذا افتقر إلى النية، وليس كذلك الرجل؛ لأنه لا يلحق الإمام فساد من جهته، فلهذا لم يفتقر إلى النية.
قيل له: لا نسلم لك أن الإمام يلحقه فساد صلاته من جهة المرأة
الجزء: 2 - الصفحة: 439
بوقوفها بجنبه، وقد مضى الكلام على ذلك 7، وعلى أن المأموم قد يلحقه الفساد من جهة المرأة إذا وقفت بجنبه، ثم لا يعتبر نيته في صحة ائتمامها كالإمام، وكذلك الإمام في صلاة الجمعة تبطل صلاته بانفضاض المأمومين عنه قبل أن يتم الركعة، ولا يعتبر نية الإمام في اقتداء المأمومين به، كذلك الإمام إذا سبقه الحدث، ومضى ليتوضأ، فقدَّم 8 القوم رجلًا يصلي بهم قبل أن يخرج الإمام الذي سبقه الحدث عنده، وكذلك إذا سبقه الحدث، وليس معه إلا مأموم واحد، تعينت الخلافة فيه، وإن لم ينوه الإمام الأول، وإن شئت قلت: ما يعتبر في صحة ائتمام المرأة للرجل اعتبر في صحة ائتمام الرجل بالرجل؛ قياسًا على كون الإمام من أهل التحمل، وهو أن لا يكون أميًا، ولا يكون مستدام الحدث، وأن يكون من أهل الركوع والسجود، وعكسه: ما لا يعتبر في صحة ائتمام الرجل بالرجل؛ كالحرية، والرق، والعلم.
واحتج المخالف: بما روى ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كنت عند خالتي ميمونة - رضي الله عنها -، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقام فتوضأ ووقف يصلي، فقمت وتوضأت، ثم جئت فوقفت على يساره، فأخذ بيدي فأدارني 9
الجزء: 2 - الصفحة: 440
عن يمينه 10، فوجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما استفتح الصلاة بالليل، لم ينو أن يؤم غيره؛ لأنه كان وحده، فلما جاء ابن عباس - رضي الله عنهما - يأتم به، لم يمنعه، فدل على أن نية الإمامة 11 غير معتبرة في الإمامة.
والجواب: أن هذا الخبر يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينو الإمامة حين دخوله في الصلاة، وليس فيه أنه لم يحدث نية عند دخول ابن عباس معه، ويجوز أن يكون قد أحدث نية الإمامة، ونحن نجيز مثل هذا في صلاة النفل، وقد نص عليه أحمد - رحمه الله - في رواية الجماعة 12، منهم: حمدان بن علي الوراق: في الرجل يدخل في الصلاة، وهو لا ينوي أن يؤم أحدًا، فجاء رجل، فأتم به؟ قال: لا يعجبني في الفريضة، فأما في التطوع، فلا بأس، وذكر حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -.
فإن قيل: فلو كانت نية الإمام شرطًا في صحة الإمامة، لوجب اعتبارها من أول الصلاة.
قيل له: نحن نعتبر ذلك من أول الصلاة في صلاة الفرض، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم، وقلنا: إذا أحرم بالصلاة منفردًا، لم يصح أن يكون إمامًا في الثاني، وإنما لا يعتبر ذلك في صلاة النفل، وقد بينا الفرق بينهما، يبين صحة الفرق: أن صوم النفل تتأخر النية فيه عن ابتدائه، كذلك ها هنا، وعلى أنه لا يمنع أن تكون نية الإمام شرطًا في صحة الإمامة، وإن
الجزء: 2 - الصفحة: 441
لم تعتبر في ابتداء الصلاة، كما قلتم في نية المأموم: هي شرط في صحة الائتمام، ويجوز أن يوجد في أثناء الصلاة، وهو إذا أحرم بالصلاة منفردًا، ثم ائتم بغيره، فإنه يجوز ذلك عند الشافعي (1)، كذلك ها هنا.
فإن قيل: فالإمام لا يجب عليه اتباع المأمومين، فلا يجب عليه أن ينوي أن يكون إمامًا لهم، ويفارق المأموم؛ فإنه يلزمه اتباع الإمام، فلا بد من أن يقصد ذلك.
قيل له: قد أجبنا عن هذا السؤال في أول المسألة بما فيه كفاية، والله أعلم.
118 -