مَسْألَة: فإذا ثبت جواز الجمع في الحضر لأجل المطر، فهل يجوز ذلك بين الظهر والعصر؟ :
فقال في رواية الأثرم 1: وقد سأله عن الجمع بين الصلاتين في المطر قبل أن يغيب الشفق، وفي السفر يؤخر حتى يغيب 2 الشفق؟ قال: نعم، قيل له: يجمع بين الظهر والعصر في المطر؟ قال: لا، ما سمعته.
فقد نص على أن الاختيار أن يجمع بين المغرب والعشاء في وقت المغرب، ولا يجوز بين الظهر والعصر.
وبه قال أبو بكر 3، وشيخنا (3) - رحمهما الله -، وهو قول مالك - رحمه الله - 4.
الجزء: 3 - الصفحة: 93
ويتوجه عندي جواز ذلك 5؛ لأن أحمد - رحمه الله - أجاز ترك الجمعة لأجل المطر والطين، وهي صلاة نهار، فقال في رواية أبي طالب 6: في المطر يكون في يوم الجمعة بالغداة، فيصير طينًا، ثم ينقطع في وقت الذهاب؟ فقال: من قدر أن يذهب، فهو أفضل، ومن لم يقدر، لم يذهب؛ فقد جعل ذلك عذرًا في إسقاط الجمعة، فعلى قياسه يكون عذرًا في الجمع، وهو قول الشافعي - رضي الله عنه - 7، ووجه هذا: ما روى موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بالمدينة بين الظهر والعصر في المطر 8، ولأن هذا عذر يبيح الجمع بين المغرب والعشاء، فأباح بين الظهر والعصر؛ دليله: المرض، والسفر.
والوجه لمن منع الجمع بينهما: عمومُ قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما التفريط
الجزء: 3 - الصفحة: 94
أن يدع الصلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى" 9، ولأنه جمع بين الظهر والعصر في الحضر من غير مرض، فلم يجز؛ دليله: إذا كان هناك وحل وطين، ولم يكن مرض، ولا يلزم عليه المريض إذا خشي أن يغلب على عقله، أو يشق عليه الوضوء لكل صلاة: أنه يجوز له الجمع بينهما؛ لقولنا: من غير مرض، وقد نص أحمد - رحمه الله - على جواز الجمع بين الظهر والعصر في المرض في رواية صالح 10، والأثرم 11، وإبراهيم بن الحارث 12.
فإن قيل: المعنى في الطين: أنه لا يبيح الجمع بين المغرب والعشاء، فلهذا [لا] 13 يبيح بين الظهر والعصر.
قيل: لا نسلم هذا، وقد قال الميموني 14: ذكر لي - يعني: أحمد - رحمه الله -: أن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يجمع بالمدينة في الليلة الباردة والمطيرة 15، ولأن الجمع رخصة لتعجيل الناس في انقلابهم إلى بيوتهم،
الجزء: 3 - الصفحة: 95
وهذا في الليل؛ لأنهم في النهار لا بد لهم من الانتشار، والتشاغل بالمعاش، والأمور التي لا ينقطعون عنها بالمطر، فتزول فائدة الرخصة.
فأما حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - إن صح -، فهو محمول على الوقت الذي كان يجمع النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير عذر، وقد رُوي في ذلك أخبار، فروى النجاد بإسناده عن صالح مولى التوءمة 16 عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان يجمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في المدينة، من غير خوف ولا مطر، قيل لابن عباس: فلم فعل ذلك؟ قال: أراد التوسعة على أمته 17، وهذا يدل على ما ذكرنا.
فإن قيل: تناول قوله: ولا مطر، على أنه كان قد انقطع في الصلاة الثانية بعد أن أحرم بها، فإنه يتم الجمع.
قيل له: تعليل ابن عباس يمنع من هذا؛ لأنه قال: أراد التوسعة على أمته، وهو - رضي الله عنه - أعرفُ بالحال والقصة، فلم يصح هذا التأويل.
وأما القياس على السفر والمرض، فالمعنى فيهما: أن العذر = الجمع بين الصلاتين في الحضر (1/ 145)، وعبد الرزاق في المصنف رقم (4438 و 4439 و 4441)، وابن أبي شيبة في مصنفه رقم (6324 و 6328)، وابن المنذر في الأوسط (2/ 430)، وإسناده من أصح الأسانيد.
الجزء: 3 - الصفحة: 96
يوجد في جميع ذلك؛ لأن الجمع في السفر القصدُ به على العون على سفره (1)، وهذا يعم الظهر والعصر، كما يعم المغرب والعشاء.
وأما المرض، فإنما جعل له الجمع بين الظهر والعصر إذا خشي أن يغلب على عقله، ويشق عليه الوضوء، وهذا المعنى يوجد في الظهر والعصر؛ كما يوجد في المغرب والعشاء، وليس كذلك في المطر؛ لأنه إنما جعل ليتعجل الناس انقلابهم إلى بيوتهم، وهذا في الليل، فأما بالنهار، فلا بد لهم من الانتشار والتشاغل بالمعاش، فتزول فائدة الرخصة، فلهذا فرقنا بينهما.
140 -