واختلفت 1 الرواية في حد عورة الرجل على روايتين: إحداهما: حدُّها من السُّرَّة 2 إلى الركبة: نص عليه في رواية المروذي 3، فقال: العورة من أسفل السرة إلى فوق الركبة، وكذلك نقل عبد الله 4 - رحمه الله - عنه: الفخذ عورة، فإن صلى وفخذُه مكشوفة، أخشى أن يجب عليه أن يعيد، وبهذا قال أبو
الجزء: 1 - الصفحة: 131
حنيفة 5، ومالك 6، والشافعي 7 - رضي الله عنهم -. والثانية: العورة هي القُبُل والدُّبُر: نص على ذلك في رواية مهنا 8، فقال: العورة: الفرج والدبر، فإن بدت عورته؛ يعيد، وإن كان الفخذ، فلا، وبهذا قال داود 9. فالدلالة على أن الفخذ عورة: ما روى أحمد 10 - رحمه الله -، وذكره أبو بكر في كتابه قال: ثنا يحيى بن سعيد 11 عن سفيان 12 قال: ثنا أبو الزناد 13 ......................................
الجزء: 1 - الصفحة: 132
عن زرعة بن عبد الرحمن بن جُرْهد 14 عن جده - رضي الله عنه - قال: مر النبي - صلى الله عليه وسلم - وعليَّ بردة، وقد انكشف فخذي، فقال: "غَطِّ فخذَك، فإن الفخذَ عورةٌ" 15. وروى أبو بكر بإسناده في كتابه عن أبي أيوب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أسفلُ السرَّة وفوق الركبتين من العورة" 16، وهذا نص؛ = قال ابن معين: ثقة حجة، مات سنة 130 هـ. ينظر: تهذيب التهذيب (2/ 329).
الجزء: 1 - الصفحة: 133
ولأن الفخذ عضو بين السرة والركبة، فكان من العورة، دليله: القبل، والدبر.
واحتج المخالف: بما روت عائشة - رضي الله عنها -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان جالسًا كاشفًا عن فخذه، فاستأذن أبو بكر - رضي الله عنه -، فأذن له، وهو على حاله، ثم استأذن عمر - رضي الله عنه -، فأذن له وهو على حاله، ثم جاء عثمان - رضي الله عنه -، فاستأذن، فأرخى عليه ثيابه، وغطى فخذه، فلما قاموا، قالت عائشة - رضي الله عنها -: فقلت: يا رسول الله! رأيتك تصنع بعثمان ما لم تصنع بهما؟ فقال: "يا عائشة! ألا أستحي من رجل - والله - إن الملائكة لتستحي منه" 17. وفي لفظ آخر: قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مضطجعًا في بيتي كاشفًا عن فخذه أو ساقه، فاستأذن أبو بكر - رضي الله عنه - وهو على تلك الحال، ثم استأذن عمر - رضي الله عنه - وهو على حاله كذلك، فاستاذن عثمان - رضي الله عنه -، فجلس وسوّى ثيابه ... وذكر الخبر (1).
ولفظ آخر: أن أبا بكر - رضي الله عنه - استأذن على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو لابسٌ مُرطَ 18 أم المؤمنين، فأذن له، ثم قضى إليه حاجته، ثم خرج، فاستأذن عليه عمر - رضي الله عنه - وهو على تلك الحال، فقضى إليه حاجته، ثم خرج، فاستأذن عثمان - رضي الله عنه -، فاستوى جالسًا، وقال: "إن عثمانَ شديدُ الحياء، ولو أذنتُ
الجزء: 1 - الصفحة: 134
له على تلك 19 الحال خشيت أن لا يبلغ إليَّ في حاجته" 20.
والجواب: أنه يحتمل أن يكون فخذه كان قد خفف عنها الثياب، فلما دخل عثمان - رضي الله عنه -، ستره أكثر، وهذا هو الظاهر؛ لأن في بعض الألفاظ: كان لابسًا مرطًا، ويحتمل أن يكون كشف إحدى فخذيه، فكان أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - من الجانب الآخر لا يريان ذلك، فلما دخل عثمان - رضي الله عنه -، أراد أن يجلس من الجانب الآخر، فستر فخذه منه.
ولأن عائشة - رضي الله عنها - شَكَّت: هل كان فخذه أو ساقه؟ وهذا يوجب التوقيف.
فإن قيل: في الخبر ما يسقط هذا، وهو قوله لعائشة: "إن عثمان رجل حيي"، وإذا حمل الخبر على أنهما لم يشاهدا فخذه، بطل التنبيه لفضيلة عثمان.
قيل له: لا يبطل؛ لأنه أراد أن يبين لعثمان هذه الفضيلة، فجعل سببًا، كما قال: "أقرؤُكم أُبيّ، وأصدَقُكم لهجةً أبو ذَرّ، وأفرضُكُم زيد" 21.
الجزء: 1 - الصفحة: 135
واحتج: بما روى أحمد - رحمه الله - في المسند 22 بإسناده عن أنس - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - غزا خيبر، قال: فصلينا عندها صلاة الغداة بغَلَس، فركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وركب أبو طلحة، وأنا رديفُ أبي طلحة، فأجرى نبيُّ الله في زُقاقِ خَيبر، وإن ركبتي لتمسُّ فخذَيْ نبيِّ الله، وانحسر الإزار عن فخذَيْ نبيِّ الله، وإني لأرى فخذي نبي الله، فلما دخل قال: "اللهُ أكبر، خربتْ خيبر" الخبر.
والجواب: أنه يحتمل أن يكون ظهر فخذه منه على وجه السهو والغفلة، لا عن علم بذلك.
واحتج: بأنه بعض من الرِّجل ليس بمخرج الحدث، فلم يجب ستره.
دليله: الساق 23، أو نقول: لا ينتقض الطهر بمسه.
والجواب: أن هذا قياس يعارض النص، وعلى أنه لا يمتنع أن لا يكون مخرجًا للحدث، ويكون عورة كبدن المرأة.
-
-
- = ابن حجر على أن الحفاظ قالوا: بأنه مرسل، الفتح (7/ 119)، وبه قال الدارقطني في العلل (1/ 43)، وضعّفه شيخ الإسلام ابن تيمية، ينظر: الفتاوى (31/ 342).
-
الجزء: 1 - الصفحة: 136
9 -