مَسْألَة: لا تصح إمامة الفاسق، سواء كان فسقه في اعتقاده، أو في أفعاله في أصح الروايتين:
وقد نص على المنع من الصلاة خلف الفاسق في عدة مواضع، وصرح بالإعادة في رواية أبي الحارث 1، فقال: لا تصلِّ 2 خلف الفاجر، ولا خلف مبتدع، ولا مرجئ، ولا رافضي، ولا فاسق، إلا أن تخافهم 3، فتصلي، ثم أعد صلاتك.
وقال أيضًا في رواية يعقوب بن بختان 4: إذا صليت خلف المبتدع، فأعد، قيل له: فتعيد أنت يوم الجمعة؟ قال: نعم.
وقال أيضًا في رواية أبي داود 5 - وقد سئل: إذا صلى خلف رجل، ثم علم أنه يسكر؟ -، قال: يعيد، قال: أيهما صلاته؟ قال: التي صلَّى وحده.
الجزء: 2 - الصفحة: 372
فقد صرح بالإعادة، وبهذا قال مالك - رحمه الله - 6. وقال في كتاب السنة 7 فيما رواه حرب: والصلاة خلف كل بر وفاجر 8، وقال أيضًا في رواية أبي الحارث 9 - وقد سئل عمن يغتاب الناس هل يصلَّى خلفه؟ -، فقال: لو كان كل من عصى الله لا يصلَّى خلفه، متى كان يقوم الناس 10 على هذا؟ وظاهر هذا: جواز إمامته، وهو قول أبي حنيفة 11، والشافعي 12 - رحمهما الله -.
الجزء: 2 - الصفحة: 373
والرواية الأولة: أصح، وهي اختيار الخرقي، وأبي بكر عبد العزيز 13، فقال الخرقي 14: ومن صلى خلف من يعلن ببدعة، أو بسكر 15، أعاد، وقال أبو بكر: وإذا منع العلم أفعاله، بطلت الصلاة خلفه.
والدلالة على أنه لا تصح إمامته: قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: 18]، فنفى المساواة بينهما، وهذا عام في الإمامة، وغيرها، إلا ما خصه الدليل.
فإن قيل: المراد بهذا: الكافر.
قيل له: هو عام في الكافر، والمسلم الفاسق، إلا ما خصه الدليل.
وأيضًا: روى أبو بكر النجاد في كتابه بإسناده عن مرثد بن عبد الله الغنوي - رضي الله عنه -، - وكان بدريًا - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن سرَّكم 16 أن تقبل صلاتُكم، فليؤمَّكم خيارُكم؛ فإنهم وفدُكم فيما بينكم 17 وبين
الجزء: 2 - الصفحة: 374
ربكم - عز وجل -" 18 وروى النجاد بإسناده عن عبد العزيز بن عبد الله القرشي عن علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقدِّموا سفهاءكم في صلاتكم، ولا على جنائزكم؛ فإنهم وفدكم إلى الله - عز وجل -" 19. وروى النجاد بإسناده عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليؤمَّكم خيارُكم، وليؤذِّنْ لكم قُرَّاؤكم" 20. وروى أبو بكر، وشيخنا بإسناده عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال وهو على المنبر: "يا أيها الناس! توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا، وبادروا إليه بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصِلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له، وبكثرة الصدقة في السر والعلانية، تُرزقوا وتُنصروا وتُجبروا ... " وذكر الخبر إلى أن قال: "ولا تؤمُّ المرأة
الجزء: 2 - الصفحة: 375
رجلًا، ولا يؤمّن فاجر بَرًّا"، وفي لفظ آخر: "فاسق مؤمنًا، ولا أعرابي مهاجرًا، إلا أن يخاف سيفَه أو سوطه" 21، فوجه الدلالة: قوله: "لا يؤمّن فاجر برًا"، وفي لفظ آخر: "فاسق مؤمنًا"، والنهي يدل على فساد المنهي عنه.
والقياس: أنه لا تصح شهادته لمعنى في دينه، فلا تصح إمامته، دليله: الكافر، وإن شئت قلت: لأنه فاسق في دينه أشبهَ الكافر.
فإن قيل: ليس له صلاة صحيحة، وليس كذلك الفاسق؛ لأن له صلاة صحيحة.
قيل له: ليس إذا صحت صلاته يجب أن تصح إمامته؛ كالمرأة تصح صلاتها، ولا تصح إمامتها للرجال، والعبد تصح صلاته، ولا تصح إمامته في الجمعة، والأمي تصح صلاته، ولا تصح إمامته، ولأنه نقص 22 يؤثر في الشهادة مع قدرته على التحمل، فأثر في الإمامة 23؛ دليله: نقص الأنوثية، والرق، ويؤثر في إمامة الرجال، وفي إمامة الجمعة؛ ولا يلزم
الجزء: 2 - الصفحة: 376
عليه العمى؛ لقولنا: مع قدرته على التحمل، ولأن الإمامة يتعدى حكمها إلى غيره، ولا تصح من الكافر، فكان من شرطها العدالة؛ كالشهادة، ولا يلزم عليه في حق نفسه؛ لأنها لا يتعدى حكمها، ولا يلزم عليه البيع، والوكالة؛ لأنه من الكافر تصح.
فإن قيل: إنما لم تصح شهادة الفاسق؛ لأنه متهم في الشهادة بالزور ليجر إلى نفسه نفعًا بذلك، فهو غير متهم في باب الإمامة؛ لأنه لا يقع له في أن يصلي بغير طهارة، فلهذا المعنى لم يؤثر في إمامته ذلك.
قيل له: يبطل بأخبار الديانات، والشهادة على رؤية الهلال، فإن الفسق ينافيهما، وإن لم تلحق التهمة، ولأنه قد يُتهم، يصلي بالناس ليستر على نفسه الفسق لتقبل شهادته، ويظن الناس قد رجع عما كان عليه، ولأنه يقصد إفساد صلاة غيره؛ لعلمه أنهم يردون شهادته وإمامته، ولأن من لا ينزع 24 عن الزنا وشرب الخمر لا ينزع عن أن يكون الخمر في ثيابه وفي فمه 25، فالتهمة تلحقه في ذلك، فلا فرق بينهما، ولأنها إحدى الإمامتين، فنافاها الفسق؛ دليله: إمامة الكبرى، وليس لهم أن يقولوا: بل أكمل، ألا ترى أنه يعتبر فيها النسب، والذكورية، والحرية، والفقه؟ لأنه ليس يمتنع أن لا تعتبر هذه الشرائط في الإمامة في الصلاة، ويعتبر فيها العدالة؛ كالشهادة لا يعتبر فيها هذه الأشياء، ويعتبر فيها
الجزء: 2 - الصفحة: 377
العدالة، وكذلك أخبار الديانات، ولأنه ائتم بفاسق، فلم يصح الاقتداء به، كما لو لم يقرأ خلفه، وليس لهم أن يقولوا به لو كان عدلًا لم يصح الاقتداء به إذا لم يقرأ؛ لأنا لا نسلم لهم هذا، بل نقول: يصح الاقتداء به، فسقط هذا، ولا يلزم على هذا إذا ائتم فاسق بفاسق؛ لأنا لا نعرف الرواية، ولا يمتنع أن نقول: لا يصح؛ بخلاف الأمي يصح أن يؤم أميًا مثله، وكذلك المحدِث؛ لأن الأمي والمحدث لا يمكنه رفع ما هو عليه من النقص، والفاسق يمكنه رفع فسقه في الحال بالتوبة 26، ولهذا المعنى قلنا: لا يجوز للمسافر سفر معصية أن يأكل الميتة، وإن كان سبب إباحتها الضرورة، وليس ذلك بمعصية؛ لأن السفر سبب في تلك الضرورة، ويمكنه قطعه بفسخ النية.
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله" 27، وهذا عام في العدل، والفاسق.
والجواب: أن الفاسق لا يدخل تحت هذا؛ لأن الكلام خرج من النبي - صلى الله عليه وسلم - مخرج الحث، والترغيب في الفضل، ومعلوم أن الفاسق لا يجب على أحد تقديمه، ولا يُرغب فيه؛ لأن عندهم تكره إمامته.
واحتج: بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" 28، والائتمام ممكن، فيجب أن تصح إمامته.
الجزء: 2 - الصفحة: 378
والجواب: أن المراد بهذا الخبر: بيان تلك الاختلاف 29 على الإمام، ألا ترى أنه قال: "إذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا" 30، ولم يقصد بيان من تجوز إمامته؟ وعلى أنا نحمله على العدل؛ بدليل ما ذكرنا.
واحتج: بما روى أبو بكر في كتاب الجمعة بإسناده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله" 31.
والجواب: أنا نحمل ذلك على العدل منهم، أو نحمل قوله: "صلوا خلف من قال"، بمعنى: صلوا على من قال: لا إله إلا الله؛ لأن حروف الصفات ينوب بعضها عن بعض، وقد ورد هذا مفسرًا في حديث آخر، فروى أبو بكر في كتاب الجنائز بإسناده عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله" 32.
الجزء: 2 - الصفحة: 379
واحتج: بما روى الدارقطني بإسناده 33 عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البر ببره 34، والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا فيما وافق الحق، وصلوا وراءهم".
والجواب: أن هذا لا يصح، وقد قال يعقوب بن بختان: سئل أحمد - رحمه الله - عن هذا الحديث: "الصلاة خلف كل بر وفاجر" 35، فقال: ما سمعنا بهذا 36.
ولو صح، فتأويله ما تقدم من أن المراد به: صلِّ على [كل] 37 بر وفاجر، وقد قيل: المراد به: صلاة الجمعة، ويعيد الصلاة.
واحتج: بأنه إجماع الصحابة، والتابعين - رضي الله عنهم -، فروي عن ابن عمر، وأنس - رضي الله عنهم -: أنهم كانوا يصلون خلف الحجاج 38.
الجزء: 2 - الصفحة: 380
وروى جعفر بن محمد [عن أبيه] 39: أن الحسن والحسين - رضي الله عنهما - كانا يصليان خلف مروان 40، قال: فقالا: ما كانا يصليان إذا رجعا إلى منازلهما، فقال: لا والله! ما كانا يزيدان على صلاة الأئمة 41.
والجواب: أنه قد رُوي عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أن صلى خلف = البخاري في صحيحه في كتاب: الحج، باب: التهجير بالرواح يوم عرفة، وباب: الجمع بين الصلاتين بعرفة، وباب: قصر الخطبة بعرفة، رقم (1660 و 1662 و 1663)، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه رقم (7641)، والبيهقي في الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: الصلاة خلف من لا يحمد فعله، رقم (5301). أما أثر أنس - رضي الله عنه - في الصلاة خلف الحجاج، فقد أخرجه عمر بن شبة في كتاب: أدب السلطان، بإسناده عن عمرو بن هرم قال: كان أنس بن مالك - رضي الله عنه - يصلي الظهر والعصر في بيته، ثم يأتي الحجاج، فيصلي معه الجمعة، ذكر ذلك ابن رجب في الفتح (5/ 427)، ولم أقف على كتاب ابن شبة، ولا على إسناده، وعمرو (ثقة)، ولم يدرك أنسًا.
ينظر: تهذيب الكمال (22/ 276).
الجزء: 2 - الصفحة: 381
الحجاج، وأعاد 42. وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن حبيب بن عمر 43 قال: حدثني أبي 44 قال: سألت واثلة بن الأسقع - رضي الله عنه - عن الصلاة خلف القدري؟ فقال: لا تصل خلفه، ولو صليتُ خلفه، أعدتُ صلاتي 45. وإذا كان كذلك، احتمل أن تكون صلاتهم تقية، وأعادوها، ويبين صحة هذا: أنه قيل للقاسم بن محمد - رحمه الله -: أنت تنهى عن الصلاة خلفهم وتصلي؟ فقال: أنا إذا تأخرت، قيل: تأخر القاسم، وأنت فلا تعرف 46. وهذا يدل على أن حضوره كان تقية، وتأولوا في ذلك ما روى أبو
الجزء: 2 - الصفحة: 382
ذر - رضي الله عنه - قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا أبا ذر! كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة؟ "، قال: قلت: يا رسول الله! فما تأمرني؟ قال: "تصلي الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم، فصلها، فإنها لك نافلة" 47، وقد تأول أحمد - رحمه الله - هذا الحديث في حضور الجمعة في رواية المروذي 48، وقد سئل: إيش الحجة في يوم الجمعة أن أحضر وأنا أعتقد أن أعيد؟ فاحتج: بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يكون عليكم أمراء" (1).
واحتج: بأن كل من صحت صلاته صحت إمامته؛ كالعدل.
والجواب: أنه لا يمتنع أن تصح صلاته، ولا تصح إمامته؛ كالمرأة تصح صلاتها، ولا تصح إمامتها؛ كالمرأة بالرجل، والعبد تصح صلاته الجمعة مأمومًا، ولا تصح إمامًا، وكذلك الأمي، وكذلك الفاسق يصح أن يلي في ماله، ولا يصح أن يلي في مال غيره، وكذلك يقبل في النكاح لنفسه، ولا يزوج غيره، وأما العدل، فتصح شهادته، وليس كذلك ها هنا، لا 49 تصح شهادته لمعنى في دينه، أشبه الكافر.
واحتج: بأن كل من انعقدت به الجمعة، صحت إمامته؛ كالعدل، ومعناه: أنه لو كان واحدًا من العدد فاسقًا، صحت الجمعة، كذلك
الجزء: 2 - الصفحة: 383
إذا كان إمامًا.
والجواب: أنه ليس إذا انعقدت به الجمعة جاز أن يكون إمامًا؛ بدليل: أن المرأة تنعقد بها جماعة الرجل، وكذلك الأمي تنعقد به الجمعة، ومع هذا، فلا يصح أن يكون إمامًا فيها، وأما العدل، فقد أجبنا عنه.
واحتج: بأن من جاز أن يكون إمامًا في الجمعة، جاز أن يكون إمامًا في غيرها؛ دليله: العدل.
[والجواب] 50: أن في ذلك روايتين: إحداهما: تنعقد، نص عليه في رسالته 51 التي رواها عبدوس بن مالك العطار، فقال: ودفع الصدقات إليهم جائزة، برًا كان أو فاجرًا، وصلاة الجمعة خلفه جائزة، ومن أعادها، فهو مبتدع 52.
وفيه رواية أخرى: لا تنعقد إمامته في الجمعة، بل يتبع فيها، ويعقد الصلاة 53، وقد نص أحمد على هذا في مواضع: في رواية يعقوب بن بختان 54، والمروذي 55، وغير ذلك.
وقال في رواية بكر بن محمد
الجزء: 2 - الصفحة: 384
عن أبيه 56 عنه: أنا أصلي الجمعة، ثم أقوم فأصلي الظهر أربعًا، فإن كانت تلك الصلاة فرضًا، فلا تضر صلاتي، وإن لم تكن، كان تلك الصلاة ظهرًا أربعًا، وكذلك روى عنه أبو طالب 57 - وقد سأله: أيما أحبُّ إليك: أصلي قبل الصلاة، أو بعدها؟ -، فقال: بعد الصلاة، ولا أُصلي قبل.
وقال أيضًا في رواية الفضل بن زياد 58: لا يصلَّى خلف الجهمي، إلا أن تكون الجمعة، فإذا صليت خلفه، فأعد الصلاة.
فقد نص على اتباعهم؛ للخبر الذي رواه أبو ذر - رضي الله عنه - 59.
ولأن الجمعة من أعلام الدين الظاهرة، وتختص بإمام، فلم يتركها؛ لئلا يؤدي إلى تعطيلها، ويعيد الصلاة؛ لأن الفرض لم يسقط بها، ويفعل الظهر بعد صلاة الجمعة، إلا أنه إذا صلى الظهر قبل الجمعة، وقع الفرض مختلفًا في صحته؛ لأن من الناس [من] يرى جواز إمامة الفاسق، فيؤدي إلى أن يصلي الظهر مع قدرته على الجمعة، فإذا صلى الفوات، خرج من الخلاف، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 385
107 -