: فإذا صلى بهم إمام الحي جالسًا، صلَّوا خلفه جلوسًا، نص على هذا في رواية صالح 2، وحنبل 3، والميموني 4، وابن القاسم (3)، فإن صلَّوا قيامًا، فقال عمر بن بدر المغازلي 5، فيما حكاه أبو حفص البرمكي عنه: الصلاة [صحيحة] 6، قال: لأن أحمد - رحمه الله - قال في رواية1
الجزء: 2 - الصفحة: 281
ابن إبراهيم 7: إذا لم يكن إمام الحي، وكان يحضر مرة، ويغيب مرة، فإذا صلى جالسًا، صلَّى مَنْ خلفَه قيامًا.
فجعل العلة في القعود كونَه إمام الحيّ، لا أنه قاعد.
وقال أبو حنيفة 8، والشافعي (2)، ومالك (2) - رحمهم الله -: في الرواية التي تجيز إمامة القاعد، وداود 9: يصلون قيامًا، فإن صلَّوا جلوسًا، بطلت صلاتهم.
دليلنا: ما تقدم 10 من حديث أنس، وجابر، وعائشة، وأبي هريرة، ومعاوية، وأُسيد بن حُضير - رضي الله عنهم -، هؤلاء ستة رووا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلًا وقولًا: أنهم يصلون جلوسًا، وهو إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - روي عن ثلاثة: جابر، وأبي هريرة، وأسيد بن حضير - رضي الله عنهم -: أنهم فعلوا ذلك وقالوه، ولم يظهر عن أحد منهم خلافه، فدل على أن المسألة إجماع.
فإن قيل: يحتمل أن تكون صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - نافلة.
قيل: أجاب عنه أبو عبد الله محمد بن عقيل البلخي 11 في الرد على
الجزء: 2 - الصفحة: 282
الثلجي 12؛ بأنه قد حدثنا ابن [أبي] 13 شيبة 14 قال: نا جعفر بن عون 15 قال: نا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر - رضي الله عنه - قال: صُرِع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن فرس له بالمدينة على جذع نخلة، فانفك قدمه، فقعد في بيت عائشة - رضي الله عنها -، فأتيناه نعوده، فوجدناهُ يصلي تطوعًا قاعدًا ونحن = عديدة، منها: المسند، والتأريخ، توفي سنة 316 هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (14/ 415).
الجزء: 2 - الصفحة: 283
قيام، ثم أتيناه فوجدناه يصلي صلاة مكتوبة، فقمنا خلفه، فأومأ إلينا، قال: فجلسنا، فلما قضى صلاته، قال: "ائتموا بالإمام، فإن صلى قاعدًا، فصلُّوا قعودًا، وإن صلى قائمًا، فصلُّوا قيامًا، ولا تفعلوا كما يفعل 16 فارس بعظمائهم" 17.
وعلى أن قوله: "إذا صلى الإمام جالسًا"، ظاهر هذا ينصرف إلى الفرض؛ لأن العادة: أن الإمام إنما يصلي الفرض.
فإن قيل: يحمل قوله: "إذا صلى قاعدًا، فصلوا قعودًا" يعني: إذا قعد للتشهد، فصلوا قعودًا.
وأجاب عنه أبو عبد الله 18: بأنه قد رُوي مفسرًا، أنا: عبد الرزاق 19 أنا: معمر عن الزهري، عن أنس - رضي الله عنه - قال: سقط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فرس، فجُحِش شِقُّه الأيمن، فدخلوا عليه، فصلى بهم جالسًا، وأشار إليهم: أن اجلسوا، فلما سلم، قال: "إنما جعل الإمام ليؤتَمَّ به"، وقال:
الجزء: 2 - الصفحة: 284
"إذا صلى جالسًا، فصلُّوا جلوسًا" 20، والتشهدُ لا يسمَّى صلاة، ألا ترى أنه لا يقال: صلى التشهد؟
فإن قيل: هذه الأخبار منسوخة بما تقدم 21 من حديث أبي بكر - رضي الله عنه -، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استخلفه في مرض موته، فلما خرج، صلى جالسًا، وأبو بكر والصحابة - رضي الله عنهم - كانوا قيامًا، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الإمام، وهذا في آخر الأمر منه.
وبما تقدم 22 من حديث الشعبي - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يؤمَّنَّ أحدٌ بعدي قاعدًا"، ومعناه: بقعود.
قيل: لا يجوز ادعاء النسخ مع إمكان التأويل والاستعمال، أما حديث الشعبي، فهو محمول على نهي إمامة القاعد في الجملة، لكن لغير إمام الحي، وأما قصة أبي بكر - رضي الله عنه -، فلا تنسخ ما تقدم من الأخبار؛ لأن أبا بكر - رضي الله عنه - افتتح بهم الصلاة وهو قائم، ثم طَرَتْ إمامةُ النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس في أثناء الصلاة، وعندنا: إذا صلى بهم قائمًا، ثم اعتلَّ في أثناء الصلاة، وجلس، أتموا خلفه قيامًا، ولم يجز لهم الجلوس، فأحمد - رحمه الله - جمعَ بين الأخبار، واستعمل حديث جابر، وعائشة، وأنس - رضي الله عنهم - على ظاهره، في أنهم يصلون جلوسًا إذا صلى جالسًا من أول الصلاة، وحديث أبي بكر - رضي الله عنه - على ظاهره إذا صلى بهم قائمًا، ثم اعتل
الجزء: 2 - الصفحة: 285
فجلس، فإنهم يصلون قيامًا، وإذا أمكن التأويل والاستعمال، لم يكن ادعاء النسخ.
ولأن أركان الصلاة ضربان: أفعال، وأقوال، ثم ثبت أن من الأقوال ما يسقط بمتابعة الإمام مع إدراك محله، وهو: القراءة، جاز أن يكون من الأفعال ما يسقط بمتابعة الإمام مع إدراك محلَّه، إلا القيام.
فإن قيل: القراءة قد أتى بها الإمام، فلهذا يحملها، وها هنا لم يأت به.
قيل: لو صلى الإمام، وأدركه المأموم راكعًا، سقط عنه القيام، وإن لم يأت به الإمام، ولأنه لا يدرك إمامه قائمًا، فلم يلزمه القيام؛ دليله: إذا أدركه راكعًا.
فإن قيل: هناك لم يدرك كل القيام، فلهذا سقط عنه.
قيل له: كان يجب أن لا يعتد به؛ كما إذا أدركه وقد رفع من الركوع، لا يُعتد به، وإن لم يدرك محلَّه.
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال لعمران بن حصين - رضي الله عنه -: "صلَّ قائمًا، فإن لم تطق، فنائمًا" 23، وهذا قادر على القيام.
الجزء: 2 - الصفحة: 286
والجواب: أنه محمول على المنفرد؛ بدليل: ما ذكرنا.
واحتج: بأنه مستطيع للقيام، فلم يجز له تركُه في صلاة الفرض؛ دليله: إذا كان الإمام قائمًا، أو كان منفردًا.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار المنفرد بالمأموم في القيام، كما لا يجوز اعتباره به في القراءة، ولأن الاقتداء قد يؤثر تخفيفًا لا يؤثره الانفراد؛ بدليل: أن فرض العبد والمرأةِ الظهرُ يومَ الجمعة، ولو اقتدوا بالإمام، تغير فرضهما فيما يرجع إلى التخفيف، وهو نقصان ركعتين، كذلك ها هنا، وأما إذا صلى الإمام قائمًا، لم يجز له الجلوس؛ لأن الإمام فعلها على وجه الكمال، فلم يجز له فعلها على وجه النقصان مع القدرة؛ كما لو نوى الإمام المسافر [الإتمام] 24، لم يجز للمأموم المسافر أن ينوي القصر؛ لأن إمامه على حال الكمال.
واحتج: بأن عجز الإمام عن القيام لا يسقط ذلك عن المأموم؛ دليله: لو ابتدأ بهم الصلاة قائمًا، ثم اعتلَّ وجلسَ، فإنهم يصلون قيامًا.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يلزمه إدراكُ بعضه، ولا يلزمه إذا لم يدرك بعضه، ألا ترى أنه لو أفاق في بعض اليوم، لزمه صيامه، ولو طبق به، لم يلزمه؟ = نائمًا، فله نصف أجر القاعد"، وأما أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "صل قائمًا ... "، فمضى تخريجه في (1/ 171).
الجزء: 2 - الصفحة: 287
وجواب آخر، وهو: أنه إذا أدركه قائمًا، فإن تحريمه وتحريم إمامه تضمنت وجوب القيام عليهما، فإذا عجز الإمام في أثنائها، فقد وجب في حقه عذرٌ أسقط القيام، ولم يوجد في حقهما، فلم يسقط عنهما، كما قلنا في المأموم إذا اقتدى بمقيم، ثم أحدث الإمام، فاستخلف مسبوقًا، وكان المستخلف مسافرًا، فإنه يُتِمّ بهم ما بقي عليهم من صلاة الإمام، ويبني هو على صلاة قصر؛ لأن العذر في حقه.
واحتج: بأنه ركن من أركان الصلاة، فلا يسقط عنه بعجز الإمام؛ كالركوع.
والجواب: أن عجز الإمام عن الركوع يمنع صحة الاقتداء به عندنا، وعلى أنا لا نقبل القياس في هذه المسألة؛ لأن السنة الظاهرة تعارضه، وتسقطه.
واحتج: بأن صلاتهم جلوسًا لا يخلو إما أن يكون رخصة في حقهم، أو عزيمة، ولا يجوز أن يكون رخصة؛ لأنه لم يوجد سببُ الرخصة في حقهم؛ لأنهم قادرون على القيام، غيرُ عاجزين عنه، ولا يجوز أن يكون عزيمة؛ لأنه لو كان كذلك، لوجب إذا تركوا الجلوس، وصلَّوا قيامًا، أن لا تصح صلاتهم، وقد قلتم: إن صلاتهم صحيحة.
والجواب: أنا نقول: إن جلوسهم رخصة، وليس بعزيمة، وأنهم إذا صلوا قيامًا، صحت صلاتهم، وقد نص على هذا أبو حفص عمر بن بدر المغازلي 25، وأفردها مسألة، وأكثر القول فيها، نقلتها من خط أبي
الجزء: 2 - الصفحة: 288
حفص البرمكي، فاستدل على أنها رخصة: بأنه لما كان رخصة في حق الإمام، وليس بواجب؛ بدليل: أنه لو تحمل المشقة، وصلى قائمًا، صحت صلاته، كذلك المأموم إذا ترك الرخصة، وصلى قائمًا، أن تصح، ولأنه لو كان عزيمة، لاستوى فيه جميع الأئمة، إمامُ الحيِّ، وغيرُه، وإذا ابتدأ بهم قائمًا، أو جالسًا، ولما اختص ذلك بإمام مخصوص، وحالة مخصوصة، دل على أنه رخصة، ألا ترى أن متابعته في القيام لما كان واجبًا، استوى فيه جميع الأئمة؟
وقولهم: إن سبب الرخصة لم يوجد في حقه، غيرُ صحيح؛ لأن متابعة الإمام يجري مجرى العذر في باب الإسقاط؛ بدليل: القراءة عندنا في جميع الصلاة، وعند مخالفنا إذا أدركه راكعًا، وبدليل: سجود السهو يسقط بمتابعة الإمام، ويلزم بالانفراد.
واحتج بعضهم: بأنه لما لم يسقط عن المقيمين بائتمامهم بالمسافرين الركعتان مع سقوطهما عن الإمام، كذلك في القيام.
وأجاب عنه أبو عبد الله البلخي: بأن سقوط القيام أخف من سقوط عدد الركعات؛ بدليل: المريض، يسقط عنه القيام، ولا يخفف عنه في عدد الركعات، وكذلك الخائف، لا يسقط عنه العدد، ويسقط عنه القيام، ولو فاتته صلاة في الحضر، فقضاها في السفر، أتمها أربعًا، ولو فاتته صلاة وهو صحيح، فقضاها 26 وهو مريض جالسًا، أجزأت عنه، فدل
الجزء: 2 - الصفحة: 289
على الفرق بينهما، والله أعلم.
94 -