مَسْألَة: لا تصح إمامة الصبي في الفرض، رواية واحدة (2)، وفي النفل على روايتين:
إحداهما: لا تصح أيضًا، وهو أصح: نص عليه في رواية أبي طالب 3: في غلام لم يحتلم لا يصلي بهم، قيل له: ولا التطوع؟ قال: ولا التطوع، هي صلاة لا يصلي بهم غلام لم يحتلم إلا بإحدى ثلاث، وكذلك نقل جعفر بن محمد 4 - وقد سئل:12
الجزء: 2 - الصفحة: 338
يصلي بهم تطوعا؟ -، قال: لا، حتى يحتلم.
والثانية: تصح إمامته في التطوع:
نص عليه في رواية حنبل: لا يعجبني أن يصلي بهم الفرض، قال: وكنتُ أصلي بأبي عبد الله في شهر رمضان التراويح، وأنا غلام مراهق، وكان هو يصلي بهم المكتوبة 5، وبهذا قال مالك - رحمه الله - 6.
وقال أصحاب أبي حنيفة - رحمهم الله -: لا يؤم في الفرض، ولا في التطوع 7.
وقال أصحاب الشافعي - رحمهم الله -: يؤم في الفرض والتطوع 8.
فالدلالة على أنه لا تصح إمامته في الفرض: ما رواه أبو بكر النجاد في كتابه قال: نا محمد بن يحيى 9 قال: ............. = أبي داود رقم (294).
الجزء: 2 - الصفحة: 339
نا ضرار بن صرد 10 قال: حدثني يحيى بن يعلى 11 عن عبد الله بن زيد 12، عن حرملة بن موسى 13، عن عبد العزيز بن عبد الله القرشي 14، عن علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُقَدِّموا صبيانكم في صلاتكم، ولا على جنائزكم 15؛ فإنهم وُفودُكُم إلى الله - عز وجل -" 16. وروى أبو بكر الأثرم بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: كان
الجزء: 2 - الصفحة: 340
يقول: لا يؤم الغلام حتى يحتلم 17. وروى الأثرم بإسناده عن أبي هاشم الرُّمّاني 18 قال: قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: لا يؤم الغلام حتى تجب عليه الحدود 19. فإن قيل: يعارض هذا بما روى عكرمة عن عائشة - رضي الله عنها -: أنها قالت: كنا نأخذ الصبيان من [الكُتّاب] 20، فنقدمهم، فيصلون لنا 21. قيل: هذا وارد في صلاة النفل، وعلى إحدى الروايتين يجوز ما رويناه عن ابن عباس، وابن مسعود - رضي الله عنهم - عامٌّ في الفرض والنفل، وعلى أنه يحتمل أن يكون أراد بالصبيان، يعني: قريبي العهد بالبلوغ، فسمتهم
الجزء: 2 - الصفحة: 341
صبيانًا؛ لقرب عهدهم، ولأن صلاة الصبي تقع نافلة، والمتنفل لا يؤم المفترض على أصلنا، وهذا مبني على ذلك الأصل، ولأن الصغر نقص يؤثر في الشهادة، فأثَّر في الإمامة؛ دليله: الرق يمنع صحة الإمامة في الجمعة، ونقص الأنوثية يمنع صحة الإمامة بالرجال، كذلك يجب أن يؤثر هذا النقص في الإمامة، بل هذا النقص آكد؛ لأنه يمنع التكليف، ونقص الرق، والأنوثية لا يمنع التكليف.
واحتج المخالف: بما روى أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يؤم القومَ أقرؤهم لكتاب الله" 22، ولم يفرق بين الصبي والبالغ.
والجواب: أنه محمول على البالغ.
واحتج: بما رُوي عن عمرو بن سلمة - رضي الله عنه -: أنه قال: كنت غلامًا حافظًا، فحفظت من ذلك قرآنًا كثيرًا، فانطلق أبي وافدًا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نفر من قومه، فعلمهم الصلاة، فقال: "يؤمكم أقرؤكم"، وكنت أقرأَهم، فقدموني، فكنت أؤمهم، وعليّ بردةٌ صغيرة، فكنت إذا سجدت، تنكشف عني، فقالت امرأة من النساء: واروا عنا عورةَ قارئكم، فاشتروا لي قميصًا، فما فرحت بشيء بعد الإسلام فرحي به، فكنت أؤمهم وأنا
الجزء: 2 - الصفحة: 342
ابن سبع سنين، أو ثمان سنين 23، وروى أبو داود 24 هذا الحديث، وزاد فيه: قال: فما شَهِدْتُ مَجْمعًا من جَرْم إلا كنتُ إمامَهم، وكنت أُصلِّي على جنائزهم إلى يومنا هذا.
والجواب: أن أبا بكر النجاد ذكر في كتابه: قال أحمد - رحمه الله- في إمامة الغلام: لا أقول شيئًا، قيل له: فحديث عمرو بن سلمة؟ قال: دعه، ليس بشيء 25. وظاهر هذا: أنه حديث ضعيف، ولا يلزم قبوله، وأجاب عنه أحمد - رحمه الله - في حديث 26 جعفر بن محمد، فقال: كان هذا في أول الإسلام من ضرورة 27.
وجواب آخر: وهو أنه ليس في الخبر أنهم قدموه بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو علم بذلك، وأقرَّهم، وفعلُهم ذلك لا حجة فيه؛ لأنه ليس معناه أنهم كانوا ممن يُعتد بفعلهم، ولو كانوا أصحابه، لم يكن في فعلهم حجة؛ لأن فعل الصحابي على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يصير حجة إلا أن يقره النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الجزء: 2 - الصفحة: 343
فإن قيل: لا يجوز أن يخفى هذا على النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنهم صلوا خلفه سائر صلاتهم، ولأنه (1) قال: ما شهدتُ مجمعًا من جرم إلا كنت إمامهم.
قيل له: ويجوز أن لا يعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك؛ لأنهم لم يكونوا معه في المدينة، وإنما كانوا في ناحية منها، وفي بلد آخر، ويحتمل أن يكونوا قدموه في صلاة النفل.
واحتج: بأن من صحت إمامته في النفل، صحت إمامته في الفرض؛ دليله: البالغ.
والجواب: أنه ليس إذا جاز في النفل جاز في الفرض، ألا ترى أن النفل يجوز ترك القيام فيه، ولا يجوز ذلك في الفرض؟ ولأن النفل غير واجب على البالغ، فجاز أن يكون إمامًا فيه، وليس كذلك ها هنا؛ لأنها صلاة مفروضة، والصبي ليس من أهل الفرض، وإنما هو متطوع بها، وقد بينا أن المتطوع لا يؤم المفترض، ولأن البالغ مفترض، فجاز أن يؤم المفترض، وهذا بخلافه.