مَسْألَة: تجب الجمعة على من كان خارجَ مصرٍ في موضع يسمع النداء من البلد إذا كان المؤذن صَيِّتًا، والأصوات هادئة، والريح ساكنة، وذلك مثل أن يكون في قرية ليس فيها أربعون نفسًا:
فقد نص على هذا في رواية صالح 1، وإسحاق بن إبراهيم 2، فقال: تجب الجمعة على من يُسمع النداء، والنداء يُسمع من فرسخ.
وقال أيضًا في رواية الأثرم 3: تجب الجمعة على من سمع النداء من غير أهل المصر، فإن لم يسمع النداء، صلى جماعة بأذان وإقامة.
فظاهر ما نقله صالح (1)، وابن منصور 4: أنه محدود بفرسخ.
الجزء: 3 - الصفحة: 107
وهو قول مالك - رحمه الله - 5.
وظاهر ما نقله الأثرم: أنه غير محدود، وهو قول الشافعي - رحمه الله - 6.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: لا تجب الجمعة على أهل القرى، ولا على أهل الربض 7 إذا كان بين المصر وبينه فرجة 8.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9]، وهذا عام.
وأيضًا: ما روى أبو بكر بإسناده عن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فعليه الجمعة، إلا صبي أو امرأة أو مسافر أو عبد، ومن استغنى بلهو أو تجارة، استغنى الله عنه، والله غني حميد" 9.
الجزء: 3 - الصفحة: 108
وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن محمد بن كعب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فعليه الجمعة يوم الجمعة، إلا على مريض، أو امرأة، أو مملوك" 10.
وروى أيضًا بإسناده عن تميم الداري - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الجمعة واجبة، إلا على صبي أو مريض، أو عبد أو مسافر" 11.
فمنه دليلان: أحدهما: من قوله - عليه السلام -: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فعليه الجمعة"، وقوله - عليه السلام -: "الجمعة واجبة"، وهذا عام في أهل المصر وغيره.
والثاني: أنه استثنى، والمستثنى عام في أهل المصر والقرى، كذلك المستثنى منه يجب أن يكون عامًا.
وروى أيضًا بإسناده عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من آواه الليل إلى أهله، ...................................... = لهيعة، ومعاذ بن محمد، ووافقهما ابن حجر، وقال: (هما ضعيفان).
ينظر: التنقيح (2/ 552)، والبدر المنير (4/ 641)، والتلخيص (3/ 1024)، وينظر: بيان الوهم والإيهام (3/ 399).
الجزء: 3 - الصفحة: 109
فليشهد الجمعة" 12. وروى أيضًا بإسناده عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "هل عسى أحدكم أن يتخذ الغنم على رأس ميل أو ميلين أو ثلاثة أميال من المدينة، فيأتي الجمعة، فلا يجمع، فيطبع الله على قلبه، فيكون من الغافلين" 13. وروى أيضًا بإسناده عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "يا أهل ذي الحليفة! يا أهل العوالي! اشهدوا الجمعة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" 14.
الجزء: 3 - الصفحة: 110
وروى أبو داود في سننه 15 قال: نا محمد بن يحيى بن فارس 16 قال: نا قبيصة 17 قال: نا سفيان عن محمد بن سعيد 18، عن أبي سلمة بن نُبيه 19، عن عبد الله بن عمرو 20 - رضي الله عنهما -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الجمعة على من يسمع النداء".
فإن قيل: فقد قال أبو داود 21: روى هذا الحديث جماعة عن سفيان
الجزء: 3 - الصفحة: 111
مقصورًا على عبد الله بن عمرو 22 - رضي الله عنهما -، ولم يذكروا النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال أبو داود: وهو محمد بن سعيد الطائفي 23.
قيل له: هذا لا يوجب ضعف الحديث؛ لأن جماعة قطعوه، ومحمد بن سعيد وصله 24، ويكفي في ذلك أن يصله الواحد.
وروى شيخنا في كتابه عن الحجاج عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده - رضي الله عنهما -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الجمعة على من كان يمد الصوت"، وهذه الأخبار دالة على ما ذكرنا.
والقياس: الجمعة عبادة لها تحليل وتحريم، فلا يختص بها أهل المصر؛ دليله: الحج، ولأنها صلاة مفروضة، فلم يختص بها أهل المصر؛ دليله: الظهر، وكل موضع يبلغه النداء من غير عارض، جاز أن تجب الجمعة على من استوطنه؛ قياسًا على المريض، وقولنا: يبلغه النداء، احتراز: من القرية البعيدة التي لا يبلغها النداء، وقولنا: من غير عارض، احتراز: من القرية البعيدة من المصر إذا كانت في موضع عال يبلغها النداء؛ لعلوها؛ فإنه لا جمعة على أهلها؛ لأن هناك يبلغ النداء لعارض، وهو علوها، وقولنا: فجاز أن تجب الجمعة، احتراز: من
الجزء: 3 - الصفحة: 112
النساء والصبيان؛ لأنهم لا يجب عليهم الجمعة؛ لأن التعليل للجواز، وقولنا: على من استوطنه، احتراز: من المسافر، ومن أهل البادية.
فإن قيل: لا تأثير لسماع النداء في الأصل؛ لأن الربض يجب على ساكنه الجمعة، سمع أو لم يسمع.
قيل له: الربَض من جملة المِصر، وكل موضع في المصر محلٌّ للنداء وإقامة الجمعة، فما من أحد فيه إلا وهو على صفة قد يسمع النداء، ولأن النداء أحدُ جهتي الاتصال، فتعلق به الوجوب؛ قياسًا على اتصال البناء، وقد دل على هذا الوصف: حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من سمع النداء فلم يأته، فلا صلاة له إلا من عذر" 25.
احتج المخالف: بأن بينهما وبين المصر فُرجة، فوجب أن لا يجب على أهلها الجمعة؛ كما لو كانت على مسافة لا يسمع فيها النداء، وقالوا: لأنها ليست من جملة المصر، فلا يجب على أهلها الجمعة؛ كأهل البوادي.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه عدم فيه جهتا الاتصال، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه قد وجد فيها إحدى جهتي الاتصال، وهو بلوغ النداء، فهو بمنزلة اتصال البناء.
وقد قيل: إنه إذا لم يسمع النداء، فلم يلحقه شعار الجمعة، وهذا يلحقه شعار، فلهذا فرقنا بينهما.
الجزء: 3 - الصفحة: 113
واحتج: بأن القرية التي يسمع فيها النداء كالتي لا يسمع فيها؛ بدليل: أنه لو نوى سفرًا تقصر فيه الصلاة، وانفصل عن المصر، جاز له أن يقصر قبل أن يخلف بنيان هذه، كما يجوز قبل أن يخلف بنيان تلك، ثم تقرر: أن التي لا يسمع فيها النداء لا يجب على أهلها الجمعة، كذلك التي يسمع فيها النداء.
والجواب: أنه إنما كانا سواء في جواز القصر، ولم يكونا سواء في إيجاب الجمعة؛ لأن القصر يجوز إذا ترك بيوت المدينة وراء ظهره، وهذا المعنى يوجد في الموضعين، وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية الميموني 26: إنما يقصر إذا خرج من البيوت، ولا يقصر 27، وكذلك نقل صالح 28: يقصر ويفطر إذا فارق القرية، وعلى أن القرب والبعد معتبر في هذا المعنى؛ لأن أبا حنيفة - رحمه الله - قد قال 29: تجوز إقامة الجمعة في صحراء البلد إذا كانت بالقرب من البنيان، ولا يجوز مع البعد، فسقط هذا.
واحتج: بأن كل قرية لم يلزم أهلَها السعيُ إذا لم يسمع النداء، لم يلزم وإن سمعت؛ دليله: إذا كان فيها أربعون نفسًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 114
والجواب: أنه إذا لم يسمع النداء، عدم فيها جهتا الاتصال، وبالسماع قد وجد أحد جهتي الاتصال، وأما إذا كانوا أربعين، فقد وجد عدد ينعقد بهم الجمعة، فلا حاجة بنا إلى حضورهم؛ لأنهم يمكنهم إقامتها في موضعهم، وجميع ما ذكرنا فهو دلالة على الإيجاب من غير تحديد، ومن قال: إنه محدود بثلاثة أميال، فوجهُه: ما تقدم (1) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: "عسى أحدكم أن يتخذ الغنم على رأس ميل أو ميلين أو ثلاثة"، ولأنه قد جرت العادة أن الأصوات إذا كانت ساكنة، والرياح معتدلة، والمؤذن صَيِّتًا، ولا مانع يمنع السماع، فإن الصوت ينتهي إلى ثلاثة أميال وما قاربها، والله تعالى أعلم.
143 -