: والدلالة على جواز الكلام للخاطب: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن جابر - رضي الله عنه - قال: دخل النعمان بن قوقل ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا نعمان! صلِّ ركعتين، تجوَّزْ فيهما، وإذا123
الجزء: 3 - الصفحة: 225
دخل أحدُكم يوم الجمعة، فليصل ركعتين، وليخففهما" 4.
وروى أيضًا بإسناده عن جابر - رضي الله عنه - قال: جاء سُلَيك الغَطَفاني، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صلِّ ركعتين تجوَّزْ فيهما" 5، وهذا نص؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تكلم في خطبة الجمعة، وهو يخطب.
فإن قيل: هذا محمول على الوقت الذي كان الكلام مباحًا، وعلى أنه كان يخطب لغير الجمعة؛ بدليل: أنه رُوي في حديث سليك: أنه دخل والنبي - صلى الله عليه وسلم - جالس على المنبر (2)، ومعلوم أنه ما كان يخطب لغير الجمعة جالسًا، ورُوي أنه أمسك عن الخطبة حتى صلى ركعتين 6.
قيل له: هذا التأويل لا يصح؛ لأنه رُوي في الخبر: "صل ركعتين تجوز فيهما"؛ يعني: خفف، ولو كان الكلام مباحًا، لم يأمر بالتخفيف؛ لأن ذلك جائز.
الجزء: 3 - الصفحة: 226
ولا يصح أيضًا حملُه على الخطبة لغير الجمعة؛ لأن الراوي ذكر أنه كان يخطب يوم الجمعة، والخطبة إذا ذكرت يوم الجمعة، فالظاهر أنها للجمعة.
وقولهم: إنه رُوي أنه دخل وهو جالس، وأنه أمسك عن الخطبة حتى صلى، فغير ثابت، وقد قال محمد بن أبي حرب: قلت لأحمد: يُروى: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمسك عن الخطبة حتى فرغ من ركعتيه، قال: ليس بالجيد، أو من وجه ضعيف.
وروى أيضًا بإسناده عن عطاء قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب، فقال للناس: "اجلسوا"، فسمعه عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - وهو على الباب، فجلس، وفي لفظ آخر: فرآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "تعال 7 يا عبد الله" 8.
وروى أيضًا بإسناده عن قيس 9 قال: جاء أبي، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب، فقام بين يديه في الشمس، فأمره فتحول إلى الظل 10.
الجزء: 3 - الصفحة: 227
وروى أيضًا بإسناده عن ابن بريدة عن أبيه - رضي الله عنهما - قال: بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر يخطب، إذ أقبل حسن وحسين - رضي الله عنهما -، وعليهما ثوبان أحمران، يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فحملهما، فقال: "صدق الله ورسوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: 15]، إني رأيت هذين الغلامين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى نزلتُ فحملتُهما" 11، وهذا كله يدل على جواز الكلام من الخاطب، والظاهر: أنها خطبة الجمعة؛ لأنها المعهودة.
وروى أيضًا بإسناده عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: سمعت عمر - رضي الله عنه - على المنبر يقول: أنا ابن بضع وخمسين، وإنما أتاني المشيب من قبل أخوالي بني المغيرة 12. = الأدب، باب: في الجلوس بين الظل والشمس، رقم (4822)، والحاكم في المستدرك، كتاب: الأدب، رقم (7711)، وصحح إسناده الألباني في الصحيحة (2/ 332) رقم (833).
الجزء: 3 - الصفحة: 228
وبإسناده عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: سمعت عمر - رضي الله عنه - على المنبر يقول: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا مدّ يده للدعاء، لم يردهما حتى يمسح بهما على وجهه 13، ولم ينقل عن أحد من الصحابة خلافه.
والقياس: أنها عبادة لا يفسدها الكلام، فلم يحرم فيها على فاعلها؛ دليله: الطواف.
وفيه: احتراز من الصلاة؛ لأن الكلام يفسدها، ومن المستمع؛ لقولنا: على فاعلها.
ولأنه ذكر يتقدم الصلاة، فلم يحرم الكلام على فاعله في حال الاشتغال به؛ كالأذان.
واحتج المخالف: بما تقدم من الأخبار المذكورة في أول المسألة.
والجواب: أنها واردة في المستمع دون الخطيب، ونحن نقول بظاهرها في المستمع.
واحتج: بأنه ذكرٌ جُعل شرطًا في صحة الجمعة، فكان الكلام منهيًا عنه في حال الاشتغال به؛ دليله: المستمع، وكالقراءة في حق الإمام في الصلاة.
= (9/ 79): (رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح).
الجزء: 3 - الصفحة: 229
والجواب: أن الكلام يبطل الصلاة، فلهذا حرم على الفاعل للصلاة، وليس كذلك الخطبة؛ لأنها لا تفسد بالكلام، فلم يحرم الكلام على الفاعل له؛ كالطواف، وأما المستمع، فإنما حرم الكلام عليه؛ لأنه بالكلام يحصل تاركًا للإنصات، وهذا المعنى معدوم في الإمام؛ لأنه إذا تكلم، فليس هناك ما ينصت إليه؛ لأنه تنقطع الخطبة، وليس من شرطها أن تقع متوالية، والله أعلم.
163 -