إذا كان الأمام في المسجد، والمأموم خارج المسجد، وبينه123
الجزء: 2 - الصفحة: 414
وبين الإمام طريق أو نهر، لم تجزئه صلاته، وإن كانت الصفوف متصلة، فصلاته جائزة 4:
نص عليه في رواية أبي الحارث 5: في قوم يصلون، وبينهم وبين الإمام نهر يجري؟ فقال: إن كان تجري فيه السفن، فهو طريق، وإن كان صغيرًا، فلا بأس.
وقال أيضًا - في رواية أبي طالب - 6: في رجل يصلي فوق السطح بصلاة الإمام: فإن كان بينهما طريق أو نهر، فلا.
قيل له: فأنس صلى يوم الجمعة في غرفة بعد ما كبر 7؟ فقال: يوم الجمعة لا يكون طريقًا للناس، فقال له أبو طالب: فإن الناس يصلون خلفي في رمضان فوق سطح بيتهم؟ قال: ذلك تطوع.
فقد نص على ما ذكرنا.
الجزء: 2 - الصفحة: 415
وهو قول أبي حنيفة 8.
وقال مالك 9: إذا كان بينهم نهر، أو طريق قريب لا يمنعهم الصفوف، وسماع التكبير، جاز، ولم يمنع ذلك الائتمام.
وقد رُوي 10 عن أحمد - رحمه الله - نحوُ هذا، فنقل حرب 11 عنه: في امرأة تصلي فوق بيت بصلاة الإمام، وبينها وبين الإمام طريق: أرجو أن لا يكون به بأس 12، وذكر حديث أنس - رضي الله عنه -.
وقال الشافعي - رضي الله عنه -: إذا كان بينه وبين الإمام ثلاث مئة ذراع أو دونها، فصلاته جائزة في الحالين جميعًا، سواء اتصلت الصفوف، أو لم تتصل 13.
دليلنا: ما روى أبو بكر في كتابه بإسناده عن نعيم بن أبي هند 14 قال: قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: من صلى وبينه وبين الإمام نهر، أو جدار، أو طريق، .......................................
الجزء: 2 - الصفحة: 416
فلم يصل مع الإمام 15. وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي عبد الرحمن 16 عن علي - رضي الله عنه -: أنه رآهم في الرحبة، فقال: من هؤلاء؟ قالوا: ضعفة الناس، قال: لا صلاة إلا في المسجد 17. وروى أبو بكر بن جعفر بإسناده عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: لا جمعة لمن صلى في رحبة 18 المسجد 19. وروى أيضًا بإسناده ...............................
الجزء: 2 - الصفحة: 417
عن عقبة بن صُهْبان 20، عن أبي بكرة - رضي الله عنه -: أنه رأى قومًا يصلون في رحبة المسجد يوم الجمعة، فقال: لا جمعة لهم 21.
ومعلوم أن الصفوف إذا كانت متصلة، فإن الصلاة في الرحبة جائزة، فعلم أنهم أرادوا به: إذا كان بينه وبين الإمام طريق، فقد ثبت هذا عن أريعة من الصحابة: عمر، وعلي، وأبي هريرة، وأبي بكرة - رضي الله عنهم -، ولا نعرف لهم مخالفًا، فدل على أنه إجماع.
فإن قيل: فقد خالفهم أنس - رضي الله عنه -، فروى أبو بكر بإسناده عن عطاء بن أبي ميمونة 22 قال: كنت مع أنس بن مالك يوم الجمعة، قال: فلم نستطع أن نزاحم على أبواب المسجد، فقال: اذهب إلى عبد ربه بن مخارق 23، فقل له: إن أبا حمزة يقول لك: أتأذن لنا أن نصلي في دارك؟ فقال: نعم، قال: فدخل، فصلى بصلاة الإمام 24.
الجزء: 2 - الصفحة: 418
قيل: يحتمل أن تكون الصفوف متصلة، وإلى هذا المعنى أشار أحمد في رواية أبي طالب 25، وقد روى بعض من نصر هذه المسألة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "من صلى في الرحبة يوم الجمعة، فلا صلاة له" 26.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من كان بينه وبين الإمام طريق، فليس مع الإمام" (2)، ولا نعرف هذا متصلًا، وإنما هو موقوف على عمر 27، وأبي هريرة 28 - رضي الله عنهما -.
والقياس: إن كان بينه وبين الإمام طريق، والصفوف غير متصلة، فأشبه إذا كان بينه وبين الإمام أكثر من ثلاث مئة ذراع، وإذا صلى في داره بصلاة الإمام.
فإن قيل: ذكر أبو علي 29 في الإفصاح 30: إذا صلى في داره بصلاة = الإمام، رقم (5248) نحوه، وينظر: فتح الباري لابن رجب (2/ 226).
الجزء: 2 - الصفحة: 419
الإمام، فصلاته صحيحة إذا كان بينهما ثلاث مئة ذراع فما دونها؛ كما إذا وقف في الصحراء 31.
قيل له: قد حُكي عن الشافعي - رضي الله عنه -: أنه قال: إذا صلى في سطح داره، والإمام في المسجد، لم تصح 32.
فإن قيل: فإن سلمنا لكم ذلك، فالفرق بينهما: أن الدار لم تبن لأداء الصلاة فيها بصلاة الإمام، فلم يجز أن يصلي فيها بصلاة الإمام، وليس كذلك الطريق؛ لأنه جعل لمنافع المسلمين، ومن منافع المسلمين الصلاةُ فيها.
قيل له: فيجب أن لا يُصلي في داره بصلاة الإمام الذي في المسجد، وإن كانت الصفوف متصلة؛ للمعنى الذي ذكرت، وهو أن داره لم تبن لأداء الصلاة فيها بصلاة الإمام.
فإن قيل: الثلاث مئة ذراع فما دونها في حد القرب؛ لأنه مقدار رمية سهم الذي يحتاج المسلمون إليه إذا صلوا في حال الخوف من المشركين، فلهذا جعل في حد القرب، وما زاد عليه في حد البعد، فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر؛ لأنه لا بد من حد فاصل بين القريب والبعيد.
قيل له: لم كان الثلاث مئة ذراع في حد القريب بأولى من أن تكون
الجزء: 2 - الصفحة: 420
الثلاثة أذرع في حد القريب، وقد وجدنا أن خيار الشرط يقدر بالثلاث عندهم، وجعلوه في حد القريب، وكذلك عندهم مدة الإقامة في حق المسافر، وأقل الجمع، وخيار المُصَرَّاة، ونحو ذلك.
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا" 33، ولم يفرق.
والجواب: إنا نحمله على من لم يكن بينه وبين الإمام طريق؛ بدلالة ما قدمنا.
واحتج: بأن الطريق تصح الصلاة فيه، فوجب أن لا يكون حائلًا؛ قياسًا على غير الطريق من صحن المسجد.
والجواب: أن هذا باطل به إذا صلى في داره بصلاة الإمام الذي في المسجد، وإذا كان بينهما أكثر من ثلاث مئة ذراع، فإن هذا المعنى موجود، ولا تصح الصلاة.
واحتج: بأن الصفوف لو اتصلت، لصحت صلاتهم بالإجماع، وبين الصفين طريق.
والجواب: أن ما بين الصفين بهم حاجة إليه للركوع والسجود، فعفي عنه، وهذا المعنى معدوم فيما زاد على ذلك.
واحتج: بأن المكان النجس ليس بحائل، فالطريق الطاهر أولى بذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 421
والجواب: أن هذا يوجب صحة صلاته إذا [صلى في] (1) داره بصلاة الإمام، أو كان بينهما أكثر من ثلاث مئة ذراع.
واحتج: بأن البئر ليست بحائل، كذلك النهر.
والجواب: أن البئر في العادة يمنع الاستطراق، وليس كذلك النهر؛ فإنه لا يمنع الاستطراق في السفن.
واحتج: بأن بينهما مسافة قريبة، وليس هناك حائل يمنع الاستطراق والمشاهدة، فصح ائتمامه به؛ كما لو لم يكن طريق، أو اتصلت الصفوف.
والجواب: أن قوله: بينهما مسافة قريبة، لا تأثير له في الأصل؛ لأنه إذا لم يكن طريق هناك، أو كانت الصفوف متصلة، فلا فرق بين قرب المسافة وبعدها، وعلى أنه يبطل به إذا صلى [في] (2) سطح داره، والإمام في المسجد، وهو يراه، والله أعلم.
113 -