مَسْألَة: إذا صلى، وليس بين يديه شيء، فإنه يقطع صلاتَه الكلبُ الأسودُ البهيم:
نص عليه 1 في رواية أبي طالب 2، وصالح 3، وحبيش بن سندي 4، فقال: يقطع الكلب، فأما المرأة، فإذا ذهب إلى حديث = عند الترمذي بلفظ: "من رأى مبتلى، فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا، لم يصبه ذلك البلاء" من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في كتاب: الدعوات، باب: ما يقول إذا رأى مبتلى رقم (3432). وينظر: السلسلة الصحيحة رقم (2737).
الجزء: 1 - الصفحة: 320
عائشة - رضي الله عنها - 5، وأما الحمار، فإذا ذهب إلى حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - 6، بمعنى: لا يقطعان الصلاة.
وهو قول الحسن 7، ومجاهد 8، ....................... = من عشرين ألف حديث، وكان رجلًا جليل القدر جدًا، وعنده عن أبي عبد الله جزآن مسائل مشبعة حسان جدًا ... فمضيت إليه، فأبى أن يحدثني بها، وقال: أنا لا أحدث بهذه المسائل وأبو بكر المروذي حي).
ينظر: طبقات الحنابلة (1/ 390)، والمقصد الأرشد (1/ 356).
الجزء: 1 - الصفحة: 321
وعكرمة 9، وطاوس 10، وعطاء 11، ومكحول 12. وقال أبو حنيفة 13، ومالك 14، والشافعي 15 - رضي الله عنهم -: لا يقطع صلاته شيء.
الجزء: 1 - الصفحة: 322
دليلنا: ما روى أحمد - رحمه الله - في المسند 16 قال: نا إسماعيل عن يونس 17، عن حميد بن هلال 18، عن عبد الله بن الصامت 19، عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أحدُكم قام يصلِّي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثلُ آخِرَةِ الرَّحل، فإذا لم يكن بين يديه مثلُ آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاتَه الحمارُ، والمرأةُ، والكلبُ الأسود"، قال: فقلت: يا أبا ذر! ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ فقال: يا بن أخي! سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "الكلب الأسود شيطان" رواه مسلم 20.
الجزء: 1 - الصفحة: 323
فإن قيل: تعليله بأنه شيطان يدل على نسخه لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "مر بي شيطان وأنا أصلي، فخنقته، ولو ما سبق من دعوة سليمان - عليه السلام - لأصبح مربوطًا إلى سارية المسجد" 21، فدل على أن مرور الشيطان لا يبطل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مضى في صلاته.
قيل: يحتمل إن يكن اعترضَ للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يمر بينه وبين ستره 22.
فإن قيل: الخبر منسوخ في حق المرأة والحمار، فيجب أن يكون جميعه منسوخًا.
قيل: ولمَ إذا نُسخ بعضُ حكمه نُسخ جميعه؟ ونحن نعلم أن القبلة نُسخت عن بيت المقدس، ولم يوجب ذلك نَسخ جميع شرائطها، على أن ابن منصور 23 قد روى عن أحمد - رحمه الله -: أن المرأة والحُمُر يقطعان الصلاة على ظاهر الحديث.
وقد روى أبو بكر النجاد في كتابه بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يقطع الصلاةَ: الكلبُ، والحمارُ، والمرأةُ الحائض، واليهوديُّ، والنصرانيُّ، والخنزيرُ" 24.
الجزء: 1 - الصفحة: 324
وروى بإسناده عن الحسن عن الحكم بن عمرو الغفاري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يقطع الصلاةَ: الكلبُ، والحمارُ، والمرأةُ" 25.
وروى عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يقطع الصلاةَ: الحمارُ، والمرأةُ" 26.
وروى بإسناده عن أنس - رضي الله عنه -: أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "يقطع الصلاةَ: الكلب، والحمار، والمرأة" 27. = (704)، والبيهقي في الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: من قال: يقطع الصلاة إذا لم يكن بين يديه سترة رقم (3487)، قال أبو داود: (في نفسي من هذا الحديث شيء ... وأحسبه وهم)، ونصَّ ابن رجب: أنه منكر.
ينظر: الفتح (2/ 703).
الجزء: 1 - الصفحة: 325
وروى بإسناده عن الحسن عن عبد الله بن المغفل - رضي الله عنه - مثلَه 28. ولأنه إجماع الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين -. روى أبو بكر النجاد بإسناده عن بكر بن عبد الله 29 قال: كنت أصلي إلى جنب عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -، فمرّ جروٌ 30 بيني وبينه، ثم مر بين يدي، فقال عبد الله: أما أنت، فأعد الصلاة، وأما أنا، فلا أعيد 31. وروى بإسناده عن أنس - رضي الله عنه - قال: يقطع صلاة الرجل: المرأة، والحمار، والكلب 32.
الجزء: 1 - الصفحة: 326
وروى بإسناده عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: يقطع الصلاة: الكلب الأسود، والمرأة الحائض 33.
وروى بإسناده عن عائشة - رضي الله عنها -: أنها قالت: لا يقطع الصلاةَ إلا الكلبُ الأسود 34.
ولأن الشرع قد ورد أن تكون بين يدي المصلي سترة، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا جعلتَ بين يديك مثلُ آخرة الرحل، فلا يضرك مَنْ مر بين يديك" 35، فإذا صلى، وليس بين يديه سترة، فمر بين يديه كلب أسود، فقد أخلَّ بسترة ورد الشرع بها في حقِّ المصلي، فجاز أن يكون للإخلال بها تأثير في بطلان الصلاة، دليله: ستر العورة.
فإن قيل: ليس المبطلُ للصلاة الإخلالَ بالسترة، وإنما المبطل لها فعلٌ من جهة الغير، وهو الكلب، ألا ترى أنه لو لم ينصب سترة، ولم يجز بين يديه كلب، لم تبطل صلاته، وإن لم يكن بين يديه سترة؟
قيل: فعل الغير إنما أبطل لأجل الإخلال بها، ألا ترى أنه لو مرَّ هذا
الجزء: 1 - الصفحة: 327
الكلب من وراء السترة، لم تبطل صلاته، وإنما تبطل إذا مرَّ بين يديه كلب أسود، ولا سترةَ هناك.
وليس يمتنع أن يكون وجوبُها مراعًى، فإن اجتاز 36 كلب أسود، تبين أنها كانت شرطًا في صحة الصلاة، وإن لم يجز كلب، تبينا أنها لم تكن واجبة، كما قلنا فيمن كان جالسًا في موضع خالٍ 37 من الناس، قلنا: يجوز لك كشفُ عورتك بشرط أن لا ينظر إليك أحد، فلو كان هناك مَنْ ينظر إليه، وهو لا يعلم به، تبينا أنها كانت واجبة عليه.
وأيضًا: فإنه مصل مرَّ بين يديه كلب أسود، فجاز أن تبطل صلاته، دليله: المأموم إذا لم يقر 38 في صلاته، وكان إلى جنب الإمام، فمر بين يديه كلب أسود، أو كان إلى جنب الإمام، أو إلى جنب امرأة، وبين يديه كلب أسود، ولا يجوز أن يقال: إن هناك تبطل، وإن لم يمر بين يديه كلب؛ لأنا نسلم ذلك.
وأيضًا: فإنها صلاة، فجاز أن تبطل بفعل من جهة الغير.
دليله: الجمعة تبطل بانفضاض العدد، وهو فعل الغير، ولا يمكن القول بموجب العلة، وهو إذا ألقى عليه الغير نجاسة؛ لأن بطلانها هنا لم يكن بفعل الغير، وإنما كان بترك المصلي لها عليه، وكذلك إذا انقضت مدة المسح، أو ظهر القدمان 39، أو انقطع دم الاستحاضة: أن الصلاة
الجزء: 1 - الصفحة: 328
لا تبطل، لكن بفعل الله تعالى 40، ونحن قلنا بفعل الغير، وإطلاق ذلك ينصرف إلى المخلوقين، وكذلك إذا وجد الماء في الصلاة؛ لأنه إن كان قد وجده في موضع، فليس ذلك بفعل الغير، وإن جاء به ركب، فليس البطلان بفعل الغير، وإنما هو بفعله، وهو ترك الاستعمال، ألا ترى أنه لو رآه، وهو لا يقدر على استعماله لمرض أو عطش، لم تبطل صلاته؟
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يقطع صلاة المرء شيء، وادرؤوا ما استطعتم" 41، وهذا عام.
والجواب: أنا نخصُّه، ونحمله على غير الكلب الأسود؛ بدليل ما ذكرنا.
واحتج: بأنه ذو روح، فلم تبطل الصلاة به، دليله: الأصفر والأبيض وسائر الحيوانات.
والجواب: أن هذا قياس يعارض النص، والإجماع، فلم يصح استعماله، على أنه ليس إذا لم يقطعها غير الأسود، وتجب أن لا يقطعها الأسود، ألا ترى أن النوم جالسًا لا يقطع الطهارة عندهم، ويقطعها القائم والساجد؟ وكذلك مس الذكر ببطن كفه ينقض، ولا ينقض بظهره، وأجود
الجزء: 1 - الصفحة: 329
من هذا: أن دم الاستحاضة ودم الحيض يشتركان في الاسم، ويختلفان في الحكم، وكذلك بول الغلام والجارية.
واحتج: بأنه فعل من جهة الغير، فلم تبطل صلاته كسائر الأفعال.
والجواب: أنه يلزم عليه انفضاض العدد في صلاة الجمعة، والله أعلم.
29 -