مَسْألَة: إذا دخل جيش المسلمين دار الحرب، ووَطَّنوا أنفسهم على الإقامة بها مدةً تزيد على أربعة أيام، أتمَّ:
وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية إسحاق بن منصور 2، وجعفر بن محمد 3: .....................................................1
الجزء: 3 - الصفحة: 27
أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - ثمانية عشر يومًا [بمكة] 4 من الفتح لما أراد حنينًا، لم يكن ثم إجماع، وأقام بتبوك عشرين يومًا، ولم يكن ثم إجماع، ولكن إذا أجمع على زيادة أربعة أيام، أتم الصلاة؛ فقد تأول إقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - بدار الحرب بتبوك وحنين على أنه لم يعزم على الإقامة، وقال: إذا عزم على الزيادة على أربعة أيام، أتم، وظاهر هذا: أنه لا فرق عنده بين دار الحرب، ودار الإسلام، وكذلك قال في رواية عبد الله 5: المسح في دار الحرب وغيره واحد؛ للمسافر ثلاثة 6 أيام، وللمقيم يوم وليلة.
وهو قول الشافعي - رضي الله عنه - 7.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: له أن يقصر أبدًا ما دام مقيمًا في دار الحرب، وإن نوى الإقامة 8.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: 101]، وهذا غير ضارب في الأرض.
الجزء: 3 - الصفحة: 28
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وإنما لامرئ ما نوى" 9، وهذا قد نوى الإقامة، فوجب أن تصح 10 نياتهم، ولأنهم نووا إقامة مدة الإقامة، فوجب أن تصح، أصله: غير دار الحرب.
واحتج المخالف: بما تقدم 11 عن الصحابة - رضوان الله عليهم -، وأنهم أقاموا الشهور والسنين بدار الحرب يقصرون الصلاة.
والجواب عنه: أنه لم يكن منهم نية الإقامة، وإنما كانت نيتهم 12، فهو بمنزلة من كانت نيته قضاء حاجته ببلد، فإنه يقصر، وإن أقام شهرًا.
واحتج: بأن الموضع الذي نووا الإقامة ليس بدار إقامة، فوجود النية منهم وعدمها بمنزلة [واحدة] 13، كما لو نووا الإقامة في البادية في موضع لا ماء فيه ولا طعام.
والجواب: أن نية المقام في البادية صحيحة عندنا، ويتعلق بها الإتمام؛ كما نقول في دار الحرب.
واحتج: بأن إقامتهم في الموضع الذي نووا فيه الإقامة ليست
الجزء: 3 - الصفحة: 29
موقوفة على اختيارهم؛ لأنه ربما هزمهم العدو، فيحتاجون إلى أن يتأخروا، أو يهزموا العدو، فيحتاجون إلى أن يتقدموا، فيجب ألا يثبتوا لنيتهم حكمًا؛ كالعبد مع المولى إذا نوى الإقامة، لم يثبت لنيته حكم، وكذلك المرأة مع زوجها، والجيش مع الأمير.
والجواب: أنا لا نسلم هذا، بل نقول: نيتهم صحيحة، ويلزمهم الإتمام، وعلى أنه تنتقض نية صاحب الحاجة؛ فإن إقامته غيره على اختياره (1)، وإن قضاها، ربما تقدم، وربما تأخر، وربما اضطر إلى الخروج لما يعرض من الأمور؛ كما قال بعضهم (2):
إذا أَذِنَ اللهُ في حاجةٍ ... أتاك النجاحُ بها يركُضُ
وإن أَذِنَ اللهُ في غيرِها ... أتى عارضٌ دونَها يعرِضُ
128 -