مَسْألَة: إذا جهر فيما يُسِرّ، أو أَسَرَّ فيما يجهر، لم يسجد للسهو في أصح الروايتين:
نص عليها في رواية صالح 1، وابن منصور 2 - وقد ذُكر له قول سفيان: [السهو] 3: إذا قمت فيما لا ينبغي لك أن تقوم، أو قعدت فيما لا ينبغي لك أن تقعد، أو سلمت ناسيًا، أو جهرت فيما لا ينبغي لك أن تجهر، أو خافَتَّ فيما لا ينبغي لك أن تُخافت ناسيًا -، فقال أحمد: كله
الجزء: 1 - الصفحة: 452
جيد، إلا جهره بالقراءة، وإخفاءه فيما لا ينبغي، فإن سجد، فلا بأس، وإن لم يسجد، فليس عليه.
وكذلك نقل الأثرم عنه 4، وقد سئل عن رجل سها، فجهر فيما يُخافت فيه، هل عليه سجدتا السهو؟ فقال: أما عليه، فلا, ولكن إن شاء سجد، وذكر الحديث 5: كان يسمع منه نغمة 6 في صلاة الظهر 7، وأنس جهر فلم يسجد 8، وظاهر هذا: أنه لا يسجد، وبه قال الشافعي - رحمه الله - 9.
وفيه رواية أخرى: يسجد لذلك، نص عليه في رواية صالح في موضع آخر، فقال: إذا جهر في الظهر، سجد سجدتي السهو، فقيل:
الجزء: 1 - الصفحة: 453
أنس جهر فلم يسجد؟ فقال: وما يضره أن يسجد 10؟
وقال أيضًا في رواية أبي داود 11: إذا خافَتَ فيما يجهر به حتى فرغ من فاتحة الكتاب، ثم ذكر، يبتدئ فاتحة الكتاب، فيجهر، ويسجد سجدتي السهو.
وقال أيضًا في رواية حنبل 12: إذا جهر بالاستفتاح، والاستعاذة، فهو سهو يسجد للسهو، فظاهر هذا: أنه يسجد، وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله - 13.
وجه الرواية الأولة: ما تقدم 14 من حديث سالم عن أبيه - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وروى قتادة 15 عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أنه جهر في الظهر أو العصر، فلم يسجد 16، ولا يعرف له مخالف.
الجزء: 1 - الصفحة: 454
ولأنها هيئة مسنونة لركن، فلا يتعلق بتركها جبران، دليله: إذا ترك وضع اليمين على الشمال في حال القيام، والرمَل، والاضطباع في الطواف.
واحتج المخالف: بما تقدم 17 من حديث ثوبان: "لكل سهو سجدتان".
والجواب: أنه محمول على غير مسألتنا.
واحتج: بأنه مسنون لركن يُفعل في موضع واحد يُفعل بعد الاستفتاح، أشبهَ دعاءَ القنوت.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو أنه منتقض بترك التسبيح في الركوع، ثم القنوت مقصود، وهذا هيئة غير مقصودة.
واحتج: بأنها هيئة للذكر يتعلق بتركه نقصان يفتقر 18 إلى الجبران.
دليله: إذا ترك الصلاة مع الإِمام يوم عرفة، ولا يلزم عليه ترك الرمل في الطواف؛ لأنه هيئة لبعض الذكر دون جميعه، وكذلك رفع اليدين هو هيئة لبعض التكبيرات دون بعض، وكذلك التورك والافتراش هو لبعض الجلوس دون بعض.
والجواب: أنه ينتقض بترك الاضطباع في جميع الطواف؛ فإن هذه هيئته، ومع هذا، فلا جبران فيه، والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 455
43 -
مَسْألَة: إذا ترك تكبيرات الخفض، والرفع، والتسبيح في الركوع، والسجود، وقول: سمع الله لمن حمده، وقول: ربنا لك الحمد، والتشهد الأول، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد الأخير، فإنه يسجد للسهو:
وقد ذكر الخرقي جميع ذلك 19، وقد نص عليه أحمد - رحمه الله - في رواية أبي الحارث 20: فيمن ترك التسبيح عامدًا: تبطل صلاته، فإن تركه ساهيًا، سجد للسهو، والنبي - صلى الله عليه وسلم - نهض من الاثنتين ساهيًا، فترك الافتراش، وترك تكبير الجلوس، وسجد للسهو قبل السلام 21. وقال أبو حنيفة 22، والشافعي 23 - رحمهما الله -: لا يسجد في شيء
الجزء: 1 - الصفحة: 456
من ذلك إلا في التشهد الأول، وفي دعاء القنوت أيضًا.
دليلنا: ما تقدم (1) من حديث ثوبان - رضي الله عنه -: "لكل سهو سجدتان"، وهذا عام؛ ولأنه قد ثبت من أصلنا: أن هذه الأذكار واجبة مع الذكر، وتسقط بالسهو، وهذا يدل على أنها مقصودة، وإذا كان ذكرًا مقصودًا لا تبطل الصلاة بتركه، فإنه يسجد له، دليله: التشهد الأول، والقنوت؛ ولأنها عبادة يدخلها الجبران، فيجب أن يدخل لترك واجب؛ كالحج، وعندهم: لا يدخل لترك واجب، أو نقول: فجاز أن يقوم الجبران، مقام واجب، كالحج.
فإن قيل: هذه الأذكار غير مقصودة؛ لأن التكبير جُعل للانتقال من ركن إلى ركن، والتسبيح في الركوع ليس بمقصود؛ لأنه شرع في محل هو خضوع في نفسه، فلا يحتاج إليه.
قيل: قد دللنا على وجوبه فيما تقدم، فلا معنى لهذا الكلام، وإذا ثبت أنه مقصود، فلا تبطل الصلاة بتركه؛ فإنه يسجد له، والله أعلم.
44 -