مَسْألَة: إذا خطب على غير وضوء، أجزأه، وكذلك إن كان جنبًا، ولم تكن خطبته في المسجد:
نص على هذا في رواية صالح 1، وعبد الله 2، فقال: إذا خطب بهم جنبًا، ثم اغتسل وصلى بهم، أرجو أن يجزئه.
وبهذا قال أبو حنيفة 3، ومالك 4 - رحمهما الله -.
وقال الشافعي - رحمه الله - في القديم: مثلَ قولنا، وقال في الجديد: لا يجزئه 5.
الجزء: 3 - الصفحة: 192
دليلنا: أن الخطبتين ذكرٌ يتقدم الصلاة، فلم يكن شرطه الطهارة؛ قياسًا على الأذان والإقامة، تبين صحة هذا: أن فساد الركعتين لا يوجب فساد الخطبتين، كما لا يوجب فساد الأذان والإقامة، ثم ثبت أن الأذان والإقامة ليس من شرطه الطهارة والإقامة 6، كذلك الخطبة.
فإن قيل: المعنى في الأذان: أنه ليس بواجب، وليس كذلك الخطبة؛ لأنها واجبة.
قيل: علة الأصل تبطل بصلاة النافلة، وطواف النافلة، ومس المصحف ليس بواجب، ومن شرطه الطهارة، وعلة الفرع تبطل بالشهادتين؛ فإنها واجبة على الكافر، ولا يفتقر ذكرها إلى الطهارة.
فإن قيل: فالأذان ليس بشرط في الجمعة، والخطبة شرط في صحتها.
قيل: الطواف، ومس المصحف، والكلام في الصلاة في صدر الإسلام ليس بشرط في صحة الجمعة، ومن شرطه الطهارة، وأيضًا: فإنه أتى بألفاظ الخطبة على وجه التعظيم، أشبهَ إذا أتى بها على طهارة، ولأنه ذكرٌ مفعول في غير صلاة، فلم يفتقر إلى طهارة؛ دليله: الشهادتان، والتسمية على الذبيحة، وفيه: احتراز من التكبير، والقراءة.
وقد قيل: بأن الخطبة ليس من شرطها القبلة، ويجوز فيها الكلام، فلم تفتقر إلى الطهارة؛ كالصوم، وهذا يفسد؛ لأن النوافل على الراحلة
الجزء: 3 - الصفحة: 193
والفريضة في حال الخوف ليس من شرطها القبلة، ومن شرطها الطهارة، ومس المصحف من شرطه الطهارة، وليس من شرطه التوجه، وكذلك الكلام كان مباحًا في أول الإسلام في الصلاة، والطهارةُ شرط فيها، وكذلك الطواف، ومس المصحف لا يحرم الكلام، ومن شرطه الطهارة، والصحيح ما ذكرنا.
واحتج المخالف: بأن كل ذكر كان شرطًا في صحة الصلاة لم يصح إلا بطهارة؛ دليله: تكبيرة الإحرام، ولا يلزم عليه الشهادتان؛ لأن الشرط هو الإيمان، وهو التصديق بالقلب 7، وإنما يطالب بالشهادتين؛ ليعلم إيمانه بقلبه.
والجواب: أن تكبيرة الإحرام من الصلاة يشترط فيها الطهارة، وليس كذلك الخطبة؛ لأنها ذكرٌ يتقدم الصلاة، فهي بالأذان أشبهُ.
فإن قيل: اعتبارها بأركان الصلاة أشبهُ؛ لأنها شرط في الصحة، والأذان ليس بشرط.
قيل له: اعتبارها بالأذان أشبه؛ لأن فساد الركعتين لا يوجب فساد الخطبة، كما لا يوجب فساد الأذان، وعلى أن الطواف، ومس المصحف، والكلام في صدر الإسلام ليس ذلك شرطًا في صحة الجمعة، ومع هذا
الجزء: 3 - الصفحة: 194
فإنه يفتقر إلى الطهارة.
فإن قيل: الخطبة تفتقر إلى قراءة آية من القرآن، والجنب ممنوع من ذلك.
قيل: نحن نمنعه أن يقرأ ذلك في خطبته وهو جنب، ونقول له: اغتسل قبل قراءتها، فإن قرأ قبل الغسل، أثم، وأجزأه، كما قال مخالفنا: يمنع من الصلاة في أرض غصب، ويجزئه، وكذلك الجنب إذا صلى بقوم وهو لا يعلم، تجزئهم صلاتهم، وإن كان ممنوعًا من القراءة، وقد حصل الاعتداد بها، كذلك ها هنا، والله أعلم.
159 -