مَسْألَة: المشي أمام الجنازة أفضل، فإن كان راكبًا فالمشي وراءها أفضل:
نص عليه في رواية عبد الله وقال: الماشي أمامها أفضل، والراكب وراءها.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: المشي خلفها أفضل، ولم يفرق بين الماشي والراكب.
وقال مالك، والشافعي رحمهما الله: المشي أمامها أفضل، ولم يفرقا بين الراكب والماشي.
الجزء: 4 - الصفحة: 233
دليلنا: أن الماشي أمامها أفضل ما روى أحمد رحمه الله في المسند قال: حدثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه - رضي الله عنهما -: أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبا بكر، وعمر - رضي الله عنهما - يمشون أمام الجنازة.
وروى أحمد فيما ذكره أبو بكر الخلال في كتاب العلل قال: حدثنا حجاج قال: حدثنا ليث عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب أن سالم بن عبد الله أخبره أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - كان يمشي بين يدي الجنازة، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يمشي بين يدي الجنازة، وأبو بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم -.
وروى أحمد قال: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي أنا إبراهيم بن سعد قال: حدثني ابن أخي ابن شهاب عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - يمشون أمام الجنازة.
فإن قيل: فأحمد قد ضعف هذا الحديث، قال الأثرم، وإبراهيم بن الحارث: قيل لأبي عبد الله: حديث الزهري عن سالم عن أبيه قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - يمشون أمام الجنازة محفوظ؟ قال: ما أراه محفوظًا، رواه عدة أرسلوه، وما أراه إلا من كلام الزهري، قيل له: فنذهب إلى المشي أمام الجنازة؟ قال: نعم، ابن المنكدر سمع ربيعة: رأيت ابن عمر - رضي الله عنهما - يقدم الناس أمام الجنازة.
قيل: أكثر ما قال: إنه مرسل، والمرسل عنده حجة، وعلى أنه قد وصل من طريق آخر، وعلى أن أبا طالب قال: قلت لأبي عبد الله: زياد بن جبير يروي عن أبيه عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه -: الراكب خلف الجنازة،
الجزء: 4 - الصفحة: 234
والماشي حيث شاء؟ قال: نعم، ولكن ابن عمر قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبا بكر، وعمر يمشون أمام الجنازة، فهذا أحسن.
فهذا تصريح منه بصحة الحديث، واتصاله.
فإن قيل: نحمل ذلك على الجواز دون الفضل.
قيل له: قوله كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - يمشون أمام الجنازة إخبار عن دوام الفعل، ولا يجوز أن يظن بهم أنهم يدعون على ترك الفضيلة.
وقد روى في المسند حديثًا آخر من غير طريق ابن عمر - رضي الله عنهما - يرويه محمد بن بكر البرساني عن يونس عن الزهري عن أنس - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر - رضي الله عنهم - كانوا يمشون أمام الجنازة، وقد ضعف أحمد رحمه الله هذا الحديث، فقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: حديث الزهري عن أنس: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - يمشون أمام الجنازة، فقال: باطل.
وكذلك نقل أحمد بن هاشم الأنطاكي قلت لأحمد: حديث الزهري عن أنس رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - يمشون أمام الجنازة، فقال: باطل ليس بصحيح.
واعتمد أحمد في المسألة على حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - فروى أبو بكر الخلال في كتاب العلل فقال: حدثنا الدراوردي قال: حدثنا مراد 1 قال:
الجزء: 4 - الصفحة: 235
حدثنا الماجشون عن محمد بن المنكدر عن عمه ربيعة بن عبد الله بن هدير قال: رأيت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يضرب الناس يقدمهم أمام جنازة زينب بنت جحش رضي الله عنها.
وهذا أظهر في أن الفضل في المشي أمامها، وهذا فعل بحضور الصحابة، ولم ينقل عن أحد خلافه.
فإن قيل: يجوز أن يكون ذلك لعارض، وهو كثرة النساء مع الرجال خلف الجنازة، فكره مخالطتهم.
قيل له: هذا لا يصح؛ لأنه لا يظن أحد أنه كان في زمن عمر - رضي الله عنه - مع عظم نفسه يخرج النساء مع الجنائز مع تقدم النهي عنه.
ولأن من يصلي على الميت شفعاء له، هكذا وردت السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك يدعى له فيقال: جئناك شفعاء له، ومن شأن الشفيع أن يتقدم بين يدي المشفوع.
فإن قيل: تقدم وتأخر على واحد ليس بعض ذلك أفضل من بعض، ليس كذلك المشي خلف الجنازة أو أمامها؛ لأنهم اتفقوا أن أحدهما أفضل من الآخر ولا يجوز اعتباره بما ذكرت.
قيل: لا لك هذا بل التقدم بالخطاب في الشفاعة، وإظهار نفسه، والمبالغة في ذلك أفضل من التأخر فيها، فلا فرق بينهما.
= هذا الاسم، ولا فيمن يروي عنه عبد العزيز الدراوردي.
ينظر: "تهذيب الكمال" (18/ 152 و 187).
الجزء: 4 - الصفحة: 236
ولأن المشي أمامها احتياطًا للصلاة؛ لأنها تفوته، وإذا مشى خلفها فربما سبقته ففاتته الصلاة، ولا يلزم على هذا الراكب؛ لأن العادة أنها لا تسبقه.
واحتج المخالف: بما روي أن أبا سعيد الخدري - رضي الله عنه - سأل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فقال: يا أبا الحسن أخبرني عن المشي مع الجنازة أي ذلك أفضل، المشي أمامها أم خلفها؟ فقال علي - رضي الله عنه -: إن فضل المشي خلفها على المشي أمامها كفضل صلاة المكتوبة على التطوع.
وروي عنه كفضل [صلاة المكتوبة في جماعة على الوحدة] 2.
سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: شيء سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وروي أن عليًا - رضي الله عنه - مشى خلف الجنازة، وأبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - أمامها قال: إنهما ليعلمان أن المشي خلفها أفضل كفضل صلاة الرجل في الجماعة على فضل صلاة الفذ، ولكنهما سهلان مسهلان على الناس الطريق.
والجواب: أن أبا بكر الأثرم قال: ذكرت لأبي عبد الله الحديث الذي يروى عن علي - رضي الله عنه - أنه مشى خلف الجنازة، فقال: يرويه زائدة بن خراش، وهو مجهول ليس بمعروف، وعلى أنه لو صح فنقابله بما روينا عن عمر - رضي الله عنه -، وهو أولى؛ لأنه أصح سندًا، ولأنه يعضده السنة الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الجزء: 4 - الصفحة: 237
واحتج: بما روى عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الجنازة متبوعة وليست بتابعة ليس معها من يتقدمها".
والجواب: أن أحمد رحمه الله ضعفه، فقال مهنا: سألت أحمد عن حديث أبي ماجد 3 عن عبد الله بن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجنازة: ليس معها من يتقدمها؟ فقال: ليس بصحيح، وضعف أبا ماجد (1) وقال: الحديث حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -.
وعلى أنه لو صح فقوله: "الجنازة متبوعة" معناه مقصودة، وأن الناس يمشون لأجلها، وقد يكون الشيء مقصودًا ثم يتأخر عن تابعه، ألا ترى أن الناس إذا شفعوا لرجل تقدموا عليه؟ ! وكذلك جند السلطان يتقدمون وهم تبع.
وأما قوله: "ليس معها من يتقدمها" معناه: من يتقدمها ويبعد عنها.
واحتج: بما روى البراء - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرنا باتباع الجنائز، واتباعها أن نمشي خلفها.
والجواب: أنه متبع لها، وإن كان أمامها من الوجه الذي ذكرنا فيما قبل.
وجواب آخر: وهو على أصولهم الاحتجاج بمثل هذه الأخبار لا يصح؛ لأن ذلك مما يقع البلوى به، وما هذا سبيله فلا يثبت بخبر الواحد إذا لم ينقل نقلًا عامًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 238
واحتج: أنه مأمور باتباعها فوجب أن يكون خلفها، دليله: المأموم خلف الإمام.
والجواب: أن المأموم مقتد بأفعاله، وأن لا يسبقه بها، ولا يمكنه ذلك بالتأخر عنه؛ لأنه [لا] يقف على فعله إلا والإمام قدامه، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه شافع وقد يتقدم الشافع على المشفوع فيه، فبان الفرق.
ولأن التقدم على الإمام يبطل الصلاة، والتقدم ها هنا لا يخرجه عن ثواب الاتباع، فبان الفرق بينهما.
واحتج: بأن المشي خلفها أبلغ في التذكير والوعظ؛ لأن بصره يقع عليها في كل وقت فيتذكر الموت والآخرة، وإذا حصل أمامها ينتهي ذلك، وتقسم فكره في أمور الدنيا، فيجب أن يكون المشي خلفها.
والجواب: أن من ينسى الموت والجنازة خلفه فإنه ينسى وهي أمامه، فلا فرق بينهما.
واحتج: بأنه تابع للجنازة فكان السير خلفها أفضل، دليله: الراكب.
والجواب: أن الفرق بينهما من وجهين: من جهة الظاهر.
والثاني: من جهة المعنى.
أما من جهة الظاهر فهو: أن الأخبار مختلفة في ذلك، وقد روينا عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمشي أمامها وعن أبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم -.
وروى أحمد في المسند قال: حدثنا عبد الواحد الحداد قال: حدثنا
الجزء: 4 - الصفحة: 239
سعيد بن عبيد الله (1) الثقفي عن زياد بن جبير عن أبيه عن المغيرة بن شعبة شعبة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء"، فنص على الراكب خلفها، فتعارضت الأخبار في ذلك فنص في الماشي أمامها والراكب خلفها.
قال أبو طالب: قلت لأبي عبد الله: زياد بن جبير؟ قال: من الثقات، قلت: يروي عن أبيه عن المغيرة بن شعبة: "الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء"؟ قال: يونس إن شاء الله لا يرفعه وإلى جبير يرفعونه، وابن المبارك رفعه رواه عن زياد بن جبير، فقد بين أحمد أنه صحيح الإسناد، وأن بعضهم وصله وبعضهم وقفه على المغيرة.
ولأننا قد بينا أن الأفضل المشي أمامها، فلو قلنا: إن الراكب يسير أمامها تأذى الناس بمركوبه، فلهذا سار خلفها، وليس يمنع أن تزول الفضيلة لعارض كما قالوا: المشي خلفها أفضل إلا أن يعرض عارض، وهو كثرة النساء خلفها، فيكون المشي أمامها أفضل، كذلك ها هنا، والله أعلم.
69 -