التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة ت الفريحمَسْألَة: إذا كان الأنين في الصلاة من وجع، فإنه يقطع الصلاة، وإن كان من خوف الله تعالى، فإنه لا يقطع

مَسْألَة: إذا كان الأنين في الصلاة من وجع، فإنه يقطع الصلاة، وإن كان من خوف الله تعالى، فإنه لا يقطع

وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية أبي الحارث 5 - وقد سأله عن الأنين في الصلاة؟ -، فقال: إذا كان عاليًا 6، أكرهه.
وهذا محمول على الأنين من وجع.23

وقد قال في رواية محمد بن ماهان 1: في الرجل يقرأ في الصلاة، فيمر بالآية، فيغلبه البكاء حتى ينتحب؟ فقال: كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يُسمع نشيجُه 2 وهو في الصلاة 3، فقيل له: صلاته تامة؟ قال: نعم، وهذا محمول على أنه من الخوف، ورأيت في تعاليق أبي حفص العكبري عن أبي عبد الله بن بطة: أنه قال 4 في الرجل يتأوه في الصلاة؟ فقال: إن تأوه من النار، فلا بأس، وإن تأوه لغير ذلك؛ مثل أن يصيبه حجر، فيقول: أوّه، وما أشبه هذا؛ فإنه يفسد صلاته، وبه قال أبو حنيفة 5. وقال أبو يوسف: لا يقطع، سواء كان من وجع، أو من خوف الله تعالى 6.

وقال الشافعي - رضي الله عنه -: يقطع الصلاة بكل حال 1. دليلنا: التأوه يقع على الهجاء، ويدل بنفسه على المعنى، فيصير كلامًا، والكلام إذا كان على غير وجه الذكر لله تعالى، يفسد الصلاة؛ بدلالة سائر كلام الناس، ولا يلزم عليه إذا كان من خوف الله تعالى؛ لأنه يصير ذكرًا لله تعالى، ألا ترى أنه قال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: 75]؟ رُوي في التفسير 2: أنه كان يتأوه من الخوف لله تعالى، فمدحه على ذلك، فدل على أنه إذا كان من خوف الله تعالى، يجري مجرى ذكر الله تعالى، فلا يفسد الصلاة، ويبين صحة هذا: ما احتج به أحمد - رحمه الله - من حديث عمر: كان يسمع نشيجه في الصلاة، ومعناه: يرفع الصوت بالبكاء في الصلاة حتى يُسمع، هكذا ذكره أبو عبيد 3، ولا يلزم عليه التنحنح؛ لأنه لا يدل بنفسه على المعنى، وإنما يفهم به المراد إذا كان على وجه الجواب، أو قصد به الخطاب؛ كالتصفيق ونحوه، مع أنه قد رُوي في التنحنح روايتان، نقل أبو طالب عنه 4: لا يتنحنح؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا نابكم شيء، فليسبح الرجال، ولتصفق النساء" 5، هو من غير الصلاة مثل السلام، ونقل المروذي قال: كنت

آتي أبا عبد الله وهو يصلي، فيتنحنح في صلاته؛ لأعلم أنه يصلي 1. ولا يلزم عليه النفخ؛ لأن فيه روايتين: نقل عبد الله 2، وصالح 3، وحنبل 4، وأبو طالب 5: أنه إن نفخ، فسدت صلاته، وهو أصح؛ لأنه يقع على الهجاء، ويدل بنفسه على المعنى، ونقل ابن منصور 6: الكراهة، إلا أني أقول: لا يقطع الصلاة؛ كالنحنحة.
واحتج أبو يوسف: بأنه بمنزلة التنحنح، وقد بينا الفرق بينهما.
واحتج أصحاب الشافعي - رضي الله عنهم -: بقوله - عليه السلام -: "صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" 7، وهذا ليس بواحد منها.
والجواب: أنا نقول: أو الأنين؛ بدليل ما ذكرنا.

واحتج: بأنه ليس بذكر، أشبهَ خطابَ الآدمي.
والجواب: أنا لا نسلم ذلك؛ لما بيناه، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.

122 -

جارٍ التحميل