مَسْألَة: يجوز للمريض أن يجمع بين الصلاتين:
نص عليه في رواية الجماعة 3، منهم: الأثرم 4، وإبراهيم بن الحارث 5: في المريض يجمع بين الصلاتين؟ أرجو أن يكون له ذلك12
الجزء: 3 - الصفحة: 99
إذا ضعف، وكان لا يقدر إلا على ذلك، وكذلك في رواية حنبل 6: يجمع بين الصلاتين؟ المسافر يجمع، وهو دون المريض، وقال ابن منصور 7: قلت لأحمد - رحمه الله -: المريض يجمع بين الصلاتين؟ قال: إي والله، إذا كان علة 8.
وقد توقف عن ذلك في رواية أبي الحارث 9: في امرأة مريضة تجمع بين المغرب والعشاء؟ قال: ما أحب ذلك، وأهاب الجواب فيها.
وقد صرح بجوازه في رواية الجماعة، وهو قول عطاء 10، وطاوس 11، وإسحاق 12، حكاه ابن المنذر 13؛ خلافًا لأبي حنيفة 14، والشافعي 15 - رحمهما الله - في قولهما: لا يجمع.
الجزء: 3 - الصفحة: 100
دليلنا: ما رواه النجاد بإسناده عن عائشة - رضي الله عنها -: أن سهلة بنتَ سهيل بن عمرو استُحيضت، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فسألته عن ذلك؟ فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، فلما أجهدها ذلك، أتته 16، وأمرها أن تجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بغسل 17.
والاستحاضة مرض من الأمراض، وقد أباحها الجمع لأجل ذلك، ولا يصح حمله أنه - عليه السلام - أمرها بتأخير الصلاة إلى آخر وقتها، وتعجيل الثانية في أول وقتها؛ لأنا قد أفسدنا هذا السؤال في مسألة الجمع في السفر.
فإن قيل: فأنتم تقولون بظاهر الخبر؛ لأنه لا يجوز لها الجمع.
قيل: يجوز لها الجمع على الوجه الذي ورد [به] 18 الخبر، وهو أن يجمع بينهما بغسل واحد، لا تختلف الرواية عن أحمد - رحمه الله - في ذلك، واختلفت الرواية عنه في الجمع بينهما بوضوء واحد على
الجزء: 3 - الصفحة: 101
روايتين: إحداهما: الجواز أيضًا، أومأ إليه في رواية المروذي 19: في المريض يجمع بين الصلاتين بوضوء واحد؟ إذا خاف، أخر الظهر، وقدم العصر، يقول: إذا خاف أن ينتقض وضوءه.
فقد أطلق القول في رواية صالح 20، وابن منصور 21: في المستحاضة إن اغتسلت، فهو أحوط، وإن جمعت بين الصلاتين، أجزأها 22، وإن توضأت لكل صلاة، أجزأها.
وفيه رواية أخرى: لا يجوز الجمع بوضوء واحد، نص عليه في رواية عبد الله 23: في المستحاضة تتوضأ لكل صلاة، وإن صلت صلاتين بوضوء واحد، فلا.
وقال أيضًا في رواية صالح (2): تتوضأ لكل صلاة، ولا يعجبني أن تصلي بوضوء واحد صلاتين.
فقد نص على أنها لا تجمع بين الصلاتين، وقال في رواية بكر بن محمد عن أبيه (7): في المستحاضة إن جمعت بين الصلاتين بغسل، فجائز، وإن اغتسلت، ثم توضأت لكل صلاة، أجزأها.
وقال أيضًا في رواية حُبيش 24 بن سنْدي 25: إن اغتسلت لكل صلاة
الجزء: 3 - الصفحة: 102
أحبُّ إليَّ، وإن قدمت وأخرت، واغتسلت لهما، أجزأها ذلك، وأدنى ما يجزئها من الغسل كل يوم غسل 26، وتتوضأ لكل صلاة، فقد نص على جواز الجمع بغسل واحد، وكان الفرق بين الغسل والوضوء: أن مشقة الغسل أعظم، فجاز أن تؤثر الرخصة فيه؛ كالجبائر لما كانت أعظم مشقة من الخفين، مسح بغير توقيت، ويدل عليه: هو أنه عذر يبيح الفطر، فأباح الجمع؛ كالسفر، ولأنه يؤثر في أفعال الصلاة، وهو أنه يصلي جالسًا، فأباح الجمع؛ كالسفر.
فإن قيل: فرق بينهما، وذلك أن المسافر يستفيد به فائدة، وهو إن جمع، أمن فوات الرفقة، وكذلك الجمع لأجل المطر يستفيد إسقاط أحد الخروجين إلى المسجد، فأما المريض، فإنه لا يستفيد بالجمع فائدة، بل ربما استفاد التفريق قوة؛ لأنه إذا وصل بين الصلاتين، شق عليه، وإذا فرق، استراح، ولهذا يجد من طال مشيه إذا استراح، أمكنه أن يمشي بقية سيره.
قيل له: بل يستفيد به فائدة، وهو أنه من عادة المريض الانضجاع، فإنه إذا لم يجمع، تكرر انزعاجه وتكشفه، وإذا جمع، اقتصر على انزعاج = رقم (170)، وجامع الترمذي، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في المستحاضة، رقم (127)، والمستوعب (1/ 406)، والمغني (1/ 448)، ومختصر ابن تميم (1/ 427)، والفروع (1/ 391)، والإنصاف (2/ 455)، وفتح الباري لابن رجب (1/ 532).
الجزء: 3 - الصفحة: 103
واحد، وتكشفٍ واحد، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أفضل الصيام صيامُ أخي داود؛ كان يصوم يومًا، ويفطر يومًا" 27، فلولا أن بالتفريق تحصل المشقة، ما فضله النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصيام.
فإن قيل: فقد نقل الأثرم قال: أخبرني عبد السلام بن أبي قتادة 28: أنه سمع أبا عبد الله يقول: هذا عندي رخصة للمريض والمرضع 29.
فقد أجاز الجمعَ للمرضع، ولا ضرورة بها.
قيل: بل عليها مشقة في التفريق؛ لأن الغالب من حال المرضع أن ثوبها لا يسلم من النجاسة، ففي غسله أو خلعه لكل صلاة مشقة.
فإن قيل: نقل محمد بن موسى بن مشيش 30: أنه قال: الجمع في الحضر إذا كان من ضرورة؛ مثل: مرض، أو شغل، فقد أجاز الجمع لأجل الشغل، وذلك ليس بعذر.
الجزء: 3 - الصفحة: 104
قيل: أراد بالشغل: العذر الذي يجوز معه تركُ الجمعة والجماعات؛ من الخوف على نفسه، أو ماله.
فإن قيل: فقد روى المروذي 31 عن أحمد - رحمه الله -: أنه احتجم في العسكر، ولم يشترط الحجام حتى غابت الشمس، فما فرغ وإلا والنجوم قد بدت، فبدأ أبو عبد الله بالعَشاء قبل صلاة المغرب، فما فرغ حتى دخل وقت عِشاء الآخرة، ثم توضأ وصلى المغرب والعشاء الآخرة في وقت إحداهما، فكيف أجاز تأخير الصلاة إلى وقت الثانية لأجل العَشاء؟
قيل: يحتمل وجهين: أحدهما: أنه كان مسافرًا، ويحتمل أن يكون أنه خاف على نفسه إن أخّر العَشاء يمرض لأجل الحجامة السابقة.
واحتج المخالف: بما تقدم من الفرق، وأنه لا يستفيد بالجمع فائدة، فلم يجز له.
والجواب عنه: ما تقدم، وأن فيه تخفيفًا عن المريض من قلة الانزعاج والتكشف.
واحتج: بأنه غير ممطور، ولا مسافر، فلم يجز له الجمع؛ دليله: المستحاضة، ومن به سلس البول.
والجواب: أن في ذلك روايتين 32:
الجزء: 3 - الصفحة: 105
إحداهما: الجواز، فعلى هذا لا نسلم.
والثانية: لا يجوز، فعلى هذا القياس يقتضي جواز الجمع في حقها لأجل المشقة، لكن تركناه للخبر، وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "توضأ لكل صلاة" 33، ورُوي: "لوقت كل صلاة" 34، وعلى أن ذلك العذر أخف؛ لأنه لا يؤثر في الفطر، وهذا يؤثر فيه، وفي صفة الصلاة.
واحتج: بأنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر المريض بالجمع، ولو كان جائزًا، لأمره.
الجزء: 3 - الصفحة: 106
والجواب: أنه يحتمل أن يكون أمره، ولم ينقل، ويحتمل أن يكون اقتصر على بيانه في السفر من طريق التنبيه، والله أعلم.
142 -