مَسْألَة: يسل الميت من قبل رأسه عند رجلي القبر:
نص على هذا في رواية حنبل وقد سئل: عن إدخال الميت؟ فقال: السل أهون على الناس، وهو أحب إليَّ.
الجزء: 4 - الصفحة: 314
وهو اختيار الخرقي؛ لأنه قال: ويدخل قبره من عند رجليه إن كان أسهل عليهم، يعني بذلك من عند رجلي القبر.
وهو قول الشافعي رحمه الله.
وروى صالح، وابن منصور عنه: من أين يدخل الميت القبر؟ فقال: من حيث يكون أسهل عليهم.
وظاهر هذا ألا يتخير في ذلك جهة، وإنما الاعتبار بالأسهل في أي الجهات كان.
وقال أبو بكر حماد المقري 1 قلت: يا أبا عبد الله من أين الميت يدخل قبره مما يلي رجليه أو مما يلي القبلة؟ قال: كلاهما سواء.
وظاهر هذا يقتضي أن مع تساويهما في السهولة، هما سواء في الفضيلة.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: يدخل القبر معترضًا من قبل القبلة لا يسل، قال الرازي: هذا إذا لم يخش أن ينهار القبر.
دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي رافع - رضي الله عنه - قال: سل النبي - صلى الله عليه وسلم - سعد بن معاذ، ورش على قبره الماء.
وروى عبد الله قال: حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن عبد الله بن يزيد الأنصاري: أن الحارث وصى أن يليه عند موته، فصلى عليه ثم دخل القبر فأدخله من رجلي
الجزء: 4 - الصفحة: 315
القبر، قال: هذه السنة.
وهذا يقتضي سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وروى أبو حفص بن شاهين في كتاب الجنائز بإسناده عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يدخل الميت من قبل رجليه، ويسل سلًا"، وهذا نص.
ولأن أبا بكر بن المنذر قال في كتابه: (والذي أحب أن يفعل ما يفعله أهل الحجاز قديمًا وحديثًا يسلون الميت سلًا من قبل رجلي القبر)، وإذا كان هذا عادتهم [وجب] 2 المصير إليه؛ لأن عادتهم متداولة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه.
فإن قيل: روي عن إبراهيم النخعي قال: حدثني من رأى أهل المدينة في الزمن الأول يدخلون موتاهم من قبل القبلة، وإن السل شيء أحدثه أهل المدينة.
قيل له: لا يجوز أن يتفقوا على غير المتواتر بينهم مع اختلاف هممهم إلا بأمر قاهر من سلطان، ولما لم ينقل هذا دل على أنه لا أصل للتغيير.
ولأنه يمد مدًا فهو أسهل من إدخاله من قبل رأسه، ومن إدخاله عرضًا.
واحتج المخالف: بما روى أبو سعيد - رضي الله عنه - قال: أُخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،
الجزء: 4 - الصفحة: 316
وأبو بكر، وعمر - رضي الله عنهما - من قبل القبلة.
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ من قبل القبلة.
والجواب: أن أحمد بن أبي عبدة قال: قلت لأحمد: حديث يحيى بن يمان عن المنهال بن خليفة عن حجاج عن عطاء عن ابن عباس - رضي الله عنهم -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ من قبل القبلة؟ فلم يصحح الحديث.
وقد قيل: إن قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - على يمين الداخل لاصق بالجدار، والجدار الذي تحته قبلة الميت، وإن لحده تحت الجدار، فكيف يدخل معترضًا، واللحد لاصق بالجدار، ولا يقف عليه شيء، ولا يمكن إلا أن يسل، وهذا يدل على ضعف الحديث.
وروى النجاد بإسناده عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أدخل من قبل رجل القبر.
روى أبو بكر النجاد بإسناده عن الزهري عن سالم عن أبيه - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُلَّ سلًا.
وهذا يدل على اضطراب الخبرين، القصة واحدة، وقد اختلف فيها! فيجب أن يوقف فيها حتى ينظر على أي جهة وقعت.
واحتج: بأنه لما احتجنا إلى أن نختار له بعض الجهات دون بعض وجب أن يختار جهة القبلة، كما لو أردنا أن نصلي عليه، فالأحياء تختار لهم من الجهات جهة القبلة في الصلاة، والجلوس.
والجواب: أن جهة القبلة إنما تختار في المواضع الذي يحصل
الجزء: 4 - الصفحة: 317
التوجه إليها، فأما في هذه المواضع فلا يحصل التوجه إلى القبلة، فلا يكن لاعتبار جهة القبلة معنى، والله سبحانه وتعالى أعلم.
95 -