إذا صلى في المواضع المنهي عن الصلاة فيها، وهي: المقبرة، والحمام، والحُشّ، وقارعة الطريق، وأعطان الإبل 1،
الجزء: 1 - الصفحة: 343
وظهر بيت الله الحرام، كُره له ذلك، وهل تبطل صلاته، أم لا؟ على روايتين: إحداهما: تبطل: نص عليه في رواية صالح: في الصلاة في مواضع نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل معاطن الإبل والمقبرة: يعيد الصلاة 2، وهو اختيار الخرقي 3. والثانية: لا تبطل صلاته: نص عليه في رواية أبي الحارث في الصلاة في المقبرة والحمام ومرابض الإبل 4: يكره ذلك، قيل: فإن صلى يعيد؟ قال: إن أعاد 5، كان أحبَّ إليَّ 6، وبهذا قال أكثر الفقهاء 7.
الجزء: 1 - الصفحة: 344
وروى حنبل عنه: لا يصلي في أعطان الإبل، فإن صلى ولا يعلم، ولم يسمع الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، رجوت أن لا يلزمه الإعادة، وإن كان قد سمع وفعل، أعاد 8.
فقد فرق بين أن يكون قد بلغه النهي، وخالفه: أن صلاته تبطل، وهذا يدل من مذهبه على أنه حمل النهي على التحريم والإبطال.
والدلالة على أن صلاته باطلة: ما روى أحمد - رحمه الله - في المسند 9 قال: نا أحمد بن عبد الملك 10 قال: نا محمد بن سلمة 11 عن محمد بن إسحاق 12، عن عمرو بن يحيى بن عمارة 13، عن أبيه 14، عن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كل الأرض مسجد وطهور، إلا
الجزء: 1 - الصفحة: 345
المقبرة والحمام" 15، وهذا يمنع أن يكون المقبرة والحمام مسجدًا وطهورًا، وإذا لم تكن مسجدًا، لم تصح صلاته.
وروى أحمد - رحمه الله - 16، وذكره حنبل قال: نا غندر 17 عن هشام 18، عن محمد 19 حديثه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "إذا لم تجدوا إلا مرابضَ الغنم ومعاطنَ الإبل، فصلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل" 20، وهذا نهي، ...................
الجزء: 1 - الصفحة: 346
والنهي يدل على فساد المنهي عنه.
وروى أبو محمد بن أبي حاتم 21، وشيخنا أبو عبد الله في كتابه بإسناده عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في سبع مواطن: المقبرة، والمجزرة، والمزبلة، والحمام، ومحجة الطريق، وظهر بيت الله الحرام، ومعاطن الإبل" 22.
وروى النجاد بإسناده عن هشام، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -، فقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تصلوا على جَوادِّ الطريق" 23. = ماجه، كتاب: المساجد والجماعات، باب: الصلاة في أعطان الإبل ومراح الغنم، رقم (768)، وهو في صحيح مسلم بلفظ ( ... قال: أُصلِّي في مبارك الإبل؟ قال: "لا") من حديث جابر بن سمرة - رضي الله عنه -، كتاب: الحيض، باب: الوضوء من لحوم الإبل، رقم (360).
الجزء: 1 - الصفحة: 347
وروى أُسيد بن حُضير - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "صلُّوا في مرابض الغنم، ولا تصلُّوا في أعطان الإبل" 24.
وروى أبو بكر بإسناده عن بسر بن عبيد الله 25: أنه سمع أبا مرثد الغنوي - رضي الله عنه - يخبر: أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها" 26.
فإن قيل: إنما نهى عن الصلاة في معاطن الإبل؛ لأجل أبوالها.
قيل: أجاب أبو بكر عن هذا، فقال: لو كان كذلك، لم يفرق بينه وبين مرابض الغنم؛ لأنه فيها بولها.
= الملقن: (إسناده صحيح)، وقال ابن حجر: (إسناده حسن).
ينظر: البدر المنير (2/ 314)، والتلخيص الحبير (1/ 276).
الجزء: 1 - الصفحة: 348
فإن قيل: إنما نهى عن الصلاة فيها؛ لأنها تنفر، فتفزع المصلي، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنها جن من جن" 27.
قيل: أجاب أبو إسحاق 28 عن هذا بأنه: لو كان كذلك، ما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - على البعير، ولا إليه.
فإن قيل: إنما نهى عن الصلاة في أعطان الإبل؛ لأنه مناخ الركبان، وكانوا يبولون ويتغوطون في أمكنتهم، ثم يرحلون، فنهى أن يُصلى في أعطانها؛ لمواضع أبوال الناس.
قيل: قد روى أبو محمد [بن] 29 أبي حاتم في كتابه بإسناده 30 عن عبد الله 31 بن مغفل المزني - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل؛ فإنها خلقت من الشيطان" 32، فجعل
الجزء: 1 - الصفحة: 349
العلة معنى لا في الركبان.
ولأن الشافعي - رضي الله عنه - قد قال 33: "العطن: موضع قرب البئر التي يسقى بها"، وليس العادة أن يبال في هذا الموضع.
فإن قيل: إنما نهي عن الصلاة في أعطانها؛ لأنها مألفة الجن، ويشهد لذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نام هو وأصحابه في الوادي حتى طلعت الشمس، لم يصل فيه 34.
قيل: هذا يحتاج إلى نقل أنها مألفة الجن، وعلى أنه نقل في الخبر حكم وسبب، فالحكم المنع، والسبب العطن، فإذا حمل على ما ذكر، عدل به عن سببه.
ولأنه إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -:
روى حميد عن أنس - رضي الله عنه - قال: كنت أصلي وبين يدي قبرٌ وأنا لا أشعر، فناداني عمر - رضي الله عنه -: القبر؛ فظننت أنه يعني القمر، فرفعت رأسي إلى السماء، فقال رجل: إنما يعني القبر، فتنحيت عنه 35. = باب: نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في أعطان الإبل، رقم (735)، وابن ماجه، كتاب: المساجد والجماعات، باب: الصلاة في أعطان الإبل ومراح الغنم، رقم (769)، وقال الذهبي في تنقيح التحقيق (2/ 330): (سنده صحيح).
الجزء: 1 - الصفحة: 350
وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: لا يُصلّى في حمام، أو عند قبر 36.
وقال جابر بن سمرة - رضي الله عنه -: لا يُصلّى في أعطان الإبل 37.
وكذلك رُوي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - 38.
ذكر شيخنا - رحمه الله - هذه الأخبار في كتابه، وهذا كله يدل على البطلان.
ولأنه صلى في المقبرة، والحمام، وأعطان الإبل، وقارعة الطريق، فلم تصح صلاته، كما لو صلى في هذه المواضع مع الإمام، ولم يقر 39 = مشركي الجاهلية؟ وهو عند عبد الرزاق في مصنفه موصولًا عن معمر، عن ثابت البناني، عن أنس - رضي الله عنه -.
الجزء: 1 - الصفحة: 351
في صلاته، أو صلى إلى جنب امرأة.
فإن قيل: المعنى في ذلك: أنه لو صلى في غير هذه المواضع، بطلت صلاته.
قيل له: ليس كذلك عندنا؛ لأنها بقعة منهي عن الصلاة فيها نطقًا، فلم تصح الصلاة فيها، أصله: البقعة النجسة، ولا يلزم عليه لو صلى في دار الحرب مع قدرته على الهجرة: أنه تصح صلاته؛ لأن النهي عن الصلاة فيها استدلالًا، لا نطقًا.
ولا يلزم عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" 40؛ لأن غير المسجد ليس بمنهي عن الصلاة فيه؛ بدليل أنه لو صلى في جماعة في منزله، لم يكن منهيًا عن الصلاة فيه، وإن شئت قلت: هذا النهي يختص الصلاة، أشبهَ البقعة النجسة.
واحتج المخالف: بما روى أحمد - رحمه الله - بإسناده 41، وذكره حنبل عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "جُعِلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأينما أدركَتْ [رجلًا من] 42 أمتي الصلاةُ، فعنده
الجزء: 1 - الصفحة: 352
مسجدُه وطَهورُه" (1).
والجواب: أنا قد روينا في خبر آخر زيادة، وأنه قال: "إلا المقبرة والحمام" (2)، والأخذ بالزيادة أولى.
واحتج: بأنها بقعة طاهرة مستقبل بها القبلة، فيجب أن تصلح صلاته فيها.
دليله: سائر البقاع.
والجواب: أن هذا قياس يعارض الخبر، فيجب أن يسقط، ثم المعنى في تلك البقاع: أنه غير منهي عن الصلاة فيها، وهذه البقاع بخلافه، فهي كالبقعة النجسة.
والله أعلم.
31 -