مَسْألَة: إذا نسي التشهد الأول، ثم ذكر بعد أن اعتدل قائمًا، وقبل أن يشرع في القراءة، فالمستحب له: أن يمضي في صلاته، ولا يرجع، فإن رجع، جاز:
1 الجزء: 1 - الصفحة: 441
نص عليه أحمد - رحمه الله - في رواية عبد الله 2، وأبي داود 3، وحرب 4، وبكر بن محمد 5، - رحمهم الله -.
وقال مالك - رحمه الله -: إن ارتفعت أليتاه من الأرض، لم يعد 6.
وقال الشافعي - رحمه الله -: إن ذكر قبل أن ينتصب قائمًا، عاد وجلس وتشهد، وإن ذكر بعد ما انتصب قائمًا، لم يجز له أن يعود 7.
دليلنا: أنه ذكر قبل أن يشرع في القراءة، فجاز له الرجوع، دليله: لو ذكر قبل أن يعتدل قائمًا، أو قبل أن ترتفع أليتاه من الأرض.
فإن قيل: المعنى فيه إذا لم يعتدل 8: أنه لم يحصل في ركن مقصود، فجاز العود، وإذا ذكره في القيام، فقد ذكر بعد حصوله في ركن
الجزء: 1 - الصفحة: 442
مقصود فلم يجز الرجوع؛ كما لو ذكر بعد أن رجع 9 شرع في القراءة، ولهذا قلنا: إذا نسي دعاء الاستفتاح، ثم ذكره قبل أن يستفتح بالقراءة، أنا نقول: إن كان قد استفتح، لم يأت به.
قيل له: القيام غير مقصود في نفسه، وإنما يتوصل [به] إلى القراءة المقصودة، وقد بينا ذلك فيما تقدم، دليلنا عليه: بأن القيام 10 يتقدر بالقراءة الواجبة، ويسقط ما زاد عليه بسقوط القراءة، وإذا كان كذلك، لم يصح ما قاله، وجرى القيام مجرى نهوضه إلى القيام قبل أن يعتدل؛ فإنه يرجع، وليس كذلك القراءة؛ لأنه ركن مقصود في نفسه، فلهذا لم يرجع.
واحتج المخالف: بما روى أحمد في المسند 11 بإسناده عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا قام أحدكم من الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائمًا، فليجلس، وإن استوى قائمًا، فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو" 12.
الجزء: 1 - الصفحة: 443
والجواب: أنا نحمل قوله: "وإن استوى قائمًا، فلا يجلس" على أحد وجهين: إما على الاستحباب، أو على أنه استوى قائمًا، وشرع في القراءة؛ بدليل: ما ذكرنا.
واحتج: بأنه شرع في ركن مقصود، فلم يجز له الرجوع، كما لو أخذ في القراءة.
والجواب عنه: ما بيّنا، وأن القيام ليس بمقصود في نفسه.
فإن قيل: فإذا لم يكن مقصودًا في نفسه، فلم كرهت له الرجوع؟ ألا ترى أنه إذا لم يعتدل قائمًا، لم يكن ذلك مقصودًا، لم يكره له الرجوع.
قيل: إنما كرهنا الرجوع بعد القيام؛ لأن من الناس من يجعل القيام مقصودًا في نفسه، ويمنعه من الرجوع، فكرهنا الرجوع، للخروج من الخلاف، والله أعلم.
-
- * = وجهين آخرين)، قال ابن حجر: (ومداره على جابر الجعفي، وهو ضعيف جدًا).
ينظر: التلخيص (2/ 833)، وثبت عن المغيرة - رضي الله عنه -: أنه صلى بقوم، فنهض في الركعتين، فقالوا: سبحان الله، ومضى، فلما أتم صلاته وسلم، سجد سجدتي السهو، فلما انصرف قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنع كما صنعت.
أخرجه أبو داود، كتاب: الصلاة، باب: من نسي أن يتشهد وهو جالس، رقم (1037)، والترمذي في كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الإمام ينهض في الركعتين ناسيًا، رقم (364)، وصححه ابن الملقن في البدر المنير (4/ 223).
- * = وجهين آخرين)، قال ابن حجر: (ومداره على جابر الجعفي، وهو ضعيف جدًا).
الجزء: 1 - الصفحة: 444
40 -
مَسْألَة: إذا قرأ في الأخيرتين من الظهر، والعصر، وعشاء الآخرة بالحمد وسورة ساهيًا، أو صلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد الأول، أو دعا بما يدعو في التشهد الآخر، أو قرأ في موضع تشهده، أو موضع ركوعه وسجوده، أو تشهد في موضع قيامه، أو قال في موضع ركوعه: سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك، فإنه يسجد في جميع ذلك سجود السهو:
وقد نص على ذلك في مواضع، فقال في رواية صالح: إذا جلس ليتشهد، فقرأ ناسيًا، أو قام فتشهد مكان القراءة ناسيًا، سجد السهو 13. وقال في رواية ابن إبراهيم: إذا سها في ركوعه، فقال: سمع الله لمن حمده، يسجد 14، وقال في رواية حنبل 15، وأبي طالب: إذا صلى الظهر، فقرأ في أربع ركعات بالحمد وسورة، أو صلى المغرب، فقرأ
الجزء: 1 - الصفحة: 445
في الثالثة بالحمد وسورة ساهيًا: يسجد للسهو 16. وقال في رواية إسحاق بن هانئ 17، والمروذي 18: إذا زاد على تشهد ابن مسعود في الركعتين الأوليين شيئًا من الدعاء: يسجد سجدتين بعد السلام.
وقد روي عنه: أنه لا سجود في ذلك، نص عليه في رواية الميموني 19، وأحمد بن هاشم الأنطاكي 20: إذا قرأ في الآخرتين بفاتحة الكتاب وسورة: لا يسجد.
وبه قال أبو حنيفة 21، ومالك 22، والشافعي 23 - رضي الله عنهم -.
وقال داود 24: لا يسجد إلا من شكَّ، فلم يدرِ كم صلَّى، فإنه يُلغي،
الجزء: 1 - الصفحة: 446
ويبني على اليقين، ومن قام من اثنتين ساهيًا، ولم يتشهد، ومن سلم من اثنتين ساهيًا، ومن قام إلى خامسة 25، ومن سها إمامُه، فأدرك معه أول صلاته 26، وليس في غير ذلك سجود.
وجه الرواية الأولة: ما روى أحمد - رحمه الله - بإسناده، وقد ذكرته فيما تقدم 27 عن ثوبان - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "لكل سهو سجدتان بعد السلام"، وهذا عام؛ ولأن هذا ذكرٌ مشروع في الصلاة أتى به في غير موضعه على وجه السهو، فوجب أن يسجد، دليله: إذا سلم من ركعتين.
فإن قيل في ذلك: إن عمده يبطل، فسهوه يُسجد له، وليس كذلك ها هنا؛ فإن عمده لا يبطل، فسهوه لا يُسجد له.
قيل له: تركُ التشهد الأول، والقنوتِ عمدًا لا يُبطل، وإذا تركه سهوًا، سجد للسهو، فبطل أن يكون السجود مفعولًا بما يبطل الصلاة تعمده.
فإن قيل: الزيادة في الصلاة بالأفعال تنقسم، فما كان منها يُبطل الصلاة تعمُّدُه، فإن سهوه يُسجد له؛ مثل: أن يقوم إلى خامسة ساهيًا، وما كان منها لا يبطل الصلاة عمدُه، فإن سهوه لا يُسجد له؛ مثل: الخطوة
الجزء: 1 - الصفحة: 447
والخطوتين، كذلك الزيادة بالقول يجب أن تنقسم، فما أبطل عمده، سُجد له، وهو السلام في غير موضعه، وما لم يبطل عمده، لم يسجد له، وهو هذه المسائل.
قيل له: ولم كان ذلك، وعلى أنا قد بينا أن سجود السهو لا يقف على ما يُبطل الصلاة عمدُه، وعلى أن العمل اليسير إنما لم يُسجد له؛ لأنه لا يمكن الاحتراز من ذلك، ففي السجود لذلك مشقة، فلهذا لم يسجد، وقد قال أحمد في رواية بكر بن محمد: إذا قرأ آية رحمة، فجعلها عذابًا، تمت صلاته، ولا يسجد 28.
وقال أيضًا في رواية الميموني 29: لا يدعو في الفريضة: "سجد وجهي للذي خلقه" 30، فإن دعا، لم يسجد للسهو.
وأيضًا: فإن الأفعال في الصلاة إذا أتى بها في غير موضعها، سجد للسهو؛ مثل: أن يأتي بالقيام في موضع الجلوس، وهو القيام إلى الخامسة، أو يأتي بالجلوس في موضع القيام، فهو أن يجلس عقيب الأوّلة أو الثالثة، كذلك يجب أن الأذكار إذا أتى بها في غير موضعها أن يسجد لها.
الجزء: 1 - الصفحة: 448
وذهب المخالف: إلى الأسْوِلة (1) التي ذكرناها، وقد أجبنا عنها، والله أعلم.
41 -