إذا صلى في بيته بصلاة الإمام في المسجد، وهو لا يرى1234
الجزء: 2 - الصفحة: 423
الإمام، ولا مَنْ خلفه، وهو أن يحول بينهما حائط المسجد، لم تصح صلاته:
نص عليه في رواية أبي طالب 5، والمروذي 6، وإسحاق بن إبراهيم 7، واللفظ لأبي طالب: في قوم كانوا في دار في الرحبة، وأغلق عليهم الباب، وهم يسمعون التكبير: يعيدون الصلاة أربعًا، ولو كان الباب مفتوحًا يرون الناس، كان جائزًا 8. وكذلك نقل أبو الحارث 9: في الذين يصلون خارج المسجد في الطريق إذا لم يكن بينهم باب يغلق، فلا بأس.
وكذلك [نقل] 10 جعفر بن محمد 11: في الحوانيت إذا لم يغلق بينهم بابه، فلا بأس، كان أنس - رضي الله عنه - يصلي فوق غرفة يوم الجمعة بصلاة الإمام 12، قيل له: فترى أن تصلي فوق السطح بصلاة الإمام؟ قال:
الجزء: 2 - الصفحة: 424
نعم.
فقد نص على المنع إذا كان هناك حائلٌ، وأجازه مع عدم الحائل إذا لم يكن هناك طريق.
وقد أطلق القول في رواية حنبل 13، فقال: إذا [صلى الرجل] 14 وهو يسمع قراءة الإمام في داره، أو فوق سطح بيته، كان ذلك مجزئًا عنه.
وهذا محمول على أنه يشاهد الإمام، أو مَنْ خلفَه.
وقال أيضًا في رواية أبي داود 15: إذا صلى يوم الجمعة خارج المسجد، وأبوابُ المسجد مغلقة، أرجو أن لا يكون به بأس.
وهذا أيضًا محمول على أنهم شاهدوا الإمام، أو مَنْ خلفه من شُباك هناك، ويحتمل أنه لم يجعل سور المسجد حائلًا؛ كالأساطين، والسواري، وبهذا قال مالك 16، والشافعي 17 - رحمهما الله -.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: يجوز الائتمام به ما لم يكن بينهم وبينه طريق 18.
الجزء: 2 - الصفحة: 425
دليلنا: ما رُوي عن عائشة - رضي الله عنها -: أن نساء كُنَّ يصلينَ في حجرتها، فقالت: لا تصلين بصلاة الإمام؛ فإنكن دونه في حجاب 19، ذكره شيخنا في كتابه.
ولأنه على خارج المسجد، وبينه وبين الإمام ومن يأتم به حائل يمنع المشاهدة، فلم يصح ائتمامه به؛ دليله: إذا كان بينه وبين المسجد طريق، وقولنا: صلى خارج المسجد، احتراز منه إذا كان في المسجد، أو من وراء حائل؛ فإنه يصح على اختلاف الروايتين؛ لأنه قال في رواية أبي طالب: إذا صلوا في دار في الرحبة، وأغلق عليهم الباب، وهم يسمعون، لم يصح، وحكمُ الرحبة حكمُ المسجد، وقد منع من صحة الصلاة فيها من دون حائل اعتبارًا به إذا كان خارج المسجد، وقال في رواية أبي داود: إذا صلى يوم الجمعة خارج المسجد، والأبواب مغلقة، فلا بأس.
فقد أجاز الصلاة خارج المسجد، ولم يعتبر أن يشاهد الإمام، فأولى أن يجيز في المسجد؛ لأن المسجد جُعل للجماعة الواحدة، والبقعة والواحدة، ولا يلزم عليه إذا كان الحائل شباكًا، وكان خارج المسجد؛
الجزء: 2 - الصفحة: 426
فإنه لا يمنع على ظاهر كلام أحمد - رحمه الله -؛ لأنه اعتبر المشاهدة، وهذا موجود في الشباك.
فإن قيل: إذا كان هناك طريق أو ماء، فإنه يمنع الائتمام، سواء كان هناك حائل، أو لم يكن، فلا معنى لهذا في الأصل.
قيل: تأثيره فيه إذا لم يكن هناك حائل، ولا طريق، وتأثيره أيضًا إذا اتصلت الصفوف في الطريق، وهناك حائل؛ فإنه يمنع، ولو لم يكن حائل، لم يمنع، وعلى أنه إذا كان هناك طريق، امتنع لعلتين، وها هنا لعلة.
واحتج المخالف: بما رُوي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجرته، والناس يأتمون به من وراء الحجرة يصلون بصلاته 20، وفي حديث آخر قالت: كان لنا حصير 21 نبسطه بالليل يصلى إليه، فبات الناس يصلون بصلاته 22.
الجزء: 2 - الصفحة: 427
والجواب: أن علي بن سعيد 23 قال: سألت - يعني: أحمد - عن حديث عائشة - رضي الله عنها -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في الحجرة، والناس يأتمون به من وراء الحجرة، قال: كأنه على صلاة الليل، أو تطوع.
فقد بين أحمد - رحمه الله -: أن هذا لم يكن في صلاة الفرض، ومن أصحابنا من أجاز ذلك في صلاة النفل 24، والصحيح عندي: أن الفرض والنفل سواء، ويُحمل الخبر على أن باب الحجرة كان مفتوحًا؛ بحيث يشاهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو يشاهد من خلفه؛ بدليل ما ذكرنا.
واحتج أيضًا: بما روى أبو بكر بإسناده عن محمد بن عمرو بن عطاء 25 قال: صليت مع ابن عباس - رضي الله عنهما - في حجرة ميمونة زوجِ النبي - صلى الله عليه وسلم - بصلاة الإمام يوم الجمعة 26.
والجواب: أنه محمول على اتصال الصفوف.
واحتج: بأنه ليس بينه وبين الإمام ما ليس بمحل للصلاة، فصح ائتمامه به؛ كما لو صلى خلف سارية، أو حائط في المسجد.
والجواب: أنه باطل به إذا كان بينهما شارع؛ لأن الشارع محل
الجزء: 2 - الصفحة: 428
للصلاة، ألا ترى أن الصفوف إذا اتصلت به، صحت الصلاة؟ وعلى أن المعنى في السارية: أنها لم تُبْن للحائل، وحائط الحجرة بُني للحائل، فلهذا فرقنا بينهما، والله أعلم.
115 -