مَسْألَة: يُرَشُّ على بول الغلام الذي لم يأكل الطعام، والرشُّ: أن يُكاثَر بالماء حتى يغمُرَه، وإن لم يتقاطر الماء منه:
نص على هذا في رواية صالح 1، وأبي طالب 2، وهو قول الشافعي - رحمه الله - 3.
وقال أبو حنيفة 4، ومالك 5 - رحمهما الله -: بول الغلام والجارية سواء يجب غسلُهما.
دليلنا: ما روى أحمد - رحمه الله - في المسند 6 قال: نا عبد الصمد بن عبد الوارث 7 قال: ....................................
الجزء: 2 - الصفحة: 24
نا هشام 8 عن قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود 9، عن أبيه 10، عن علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بولُ الغلام يُنْضَح، وبولُ الجارية يُغْسَل" 11. قال قتادة: هذا إذا لم يَطْعَما 12 الطعام، ......................... = حجر: (صدوق ثبت في شعبة)، توفي سنة 207 هـ. ينظر: التقريب ص 385.
الجزء: 2 - الصفحة: 25
فإذا طَعِما، غسل بولهما 13.
وروى أبو داود بإسناده 14 عن أم قيس بنت محصن - رضي الله عنها -، - حديث أم قيس في الصحيحين - 15: أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأجلسه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حِجْره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه، ولم يغسله.
وروى أبو داود بإسناده 16 عن لُبابة 17 بنتِ الحارث قالت: كان الحسين بن علي - رضي الله عنهما - في حِجْر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبال عليه، فقلت: البس ثوبًا، وأعطِني إزارك حتى أغسله لك، قال: "إنما يُغسل من بول الأنثى، ويُنضح من بول الذكر" 18.
الجزء: 2 - الصفحة: 26
وروى أبو داود بإسناده 19 عن أبي السمح - رضي الله عنه - قال: كنت أخدم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكان إذا أراد أن يغتسل، قال: "ولِّني"، فأُولِّيه قَفاي، فأستره به، فأُتي بحسن أو حسين - رضي الله عنهما -، فبال على صدره، فجئت أغسلُه، فقال: "يُغسل من بول الجارية، ويُرش من بول الغلام" 20. فإن قيل: غاير بين اللفظين، وأراد بهما جميعًا معنى واحدًا، وهو الغسل، وهذا شائع في الكلام، ألا ترى إلى قول الشاعر 21: . . . . . . . . . . . . . ... فألفَى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنَا
الجزء: 2 - الصفحة: 27
فغاير بين اللفظين، ومعناهما واحد 22، ومنه يقال: بعير ناضح: إذا كان يسقي الماء ويصبه 23.
قيل له: هذا لا يصح؛ لأن في خبر أم قيس: فنضحه، ولم يغسله، فنفت الغسل.
وفي خبر لبابةَ 24 بنتِ الحارث: "إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر"، ففرق بين الذكر والأنثى في الصفة، وكذلك في حديث أبي السمح: "يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام"، وفي حديث علي - رضي الله عنه -: "يغسل من بول الجارية، وينضح من بول الغلام"، وهذا كله يقتضي الفرق.
ولأن كل ما لم يجب غسله إذا كان قدر الدرهم، جاز أن لا يجب ما زاد عليه، دليله: البزاق، ولا يلزم عليه الدم؛ لأنه قد يجوز أن لا يجب في الزيادة غسل إذا لم يفحش.
ولأن الأبوال على ضربين: بول آدمي، وبول بهيمة، ثم ثبت أن من أبوال البهائم ما ينفرد بشيء يزول به حكمه من بين جنسه، وهو بول الكلب، والخنزير بزوال حكمهما بالغسل سبعًا، وغيرها لا اعتبار بالعدد فيه عندهم، وكذلك أبوال الآدميين، وليس إلا في مسألتنا، والعلة فيه: أنه أحد نوعي الأبوال.
الجزء: 2 - الصفحة: 28
واحتج المخالف: بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "يُغسل من الدم والبول والمني" 25.
والجواب: أن هذا محمول على غير مسألتنا؛ بما ذكرنا.
واحتج: بأنه يجب غسلُه بعد أن يأكل، فيجب غسله قبل أن يأكل، دليله: بول الجارية؛ ولأنه بول نجس، فلا يطهر بالرش؛ قياسًا على بول الجارية.
والجواب: أن هذا قياس يعارض النص، فلا يجب قبوله، وعلى أنه لا يمتنع أن يتفق بولُه، وبولُ الصبيةِ، والكبيرِ في النجاسة، ويختلفان 26 في باب الإزالة؛ كالمني والبول يتفقان في النجاسة عنده، ويختلفان في الإزالة؛ لأن المني إذا كان يابسًا، يجزئه الفرك، والبول لا يجزئه إلا الغسل، وكذلك النجاسة التي لها جِرْم قائم، فإذا جفت في أسفل الخف، يجزئها الجفاف والمسح، والبول لا يجزئه إلا الغسل، كذلك ها هنا، ووجدت بخط أبي بكر الكبشي من أصحابنا 27 قال: وسألته - ويغلب
الجزء: 2 - الصفحة: 29
على ظني: أنه يعني بالسؤال: أبا إسحاق بن شاقلا؛ لأنه قدَّم قبل هذا الكلام سؤالًا 28 في مسألة ذكر فيها أبا إسحاق: ما يقول في رجل صلى في ثوب بال عليه صبي لم يطعم، ولم يرش عليه ماء؟ قال: يعيد الصلاة، وإن كان طاهرًا، كما روي عن أبي عبد الله: إذا صلى في ثوب فيه مني، ولم يغسله، ولم يفركه، يعيد، وإن كان طاهرًا 29. وظاهر هذا القول: أن بول الصبي طاهر، وهذا بعيد؛ لأن أحمد - رحمه الله - قال 30 في رواية أبي داود: في قطيفة صبي وقعت في بئر، قال: إذا كان يبول فيها، فإنها تُنزح 31. وهذا ظاهر في تنجسه، ولم يفرق بين أن [يكون] قد طعم، أم لم يطعم؛ ولأنه لو كان طاهرًا، لم يحتج إلى الرش؛ كالمخاط، والبصاق، يابسًا 32 أجزأ فيه الفرك.
-
-
- = طبقات الحنابلة (3/ 301)، والمقصد الأرشد (1/ 141).
-
الجزء: 2 - الصفحة: 30
61 -