مَسْألَة: إذا وجد بعض جسد الميت غسل وصُلي عليه قلَّ أو كثر:
نص عليه في رواية عبد الله، وصالح، وأبي الحارث فقال: إذا أصيب منه عضو رأس أو رجل أو بعضه يغسل ويكفن ويحنّط ويصلى عليه، واحتج بحديث أبي أيوب: أنه صلى على رجل، وصلى أبو عبيدة
الجزء: 4 - الصفحة: 222
على رأس، وعمر - رضي الله عنه - كان يجمع العظام ويصلي عليها.
ونقل إسحاق بن منصور عنه: لا يصلي على الجوارح.
وقال أبو بكر: انفرد إسحاق بهذا، وأصحابه المتقدمون والمتأخرون رووا خلاف ما رواه، والعمل عليه.
وبه قال الشافعي رحمه الله.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا وجد من الميت أقل من النصف أو النصف سواء لم يصل عليه، وإن وجد أكثر من النصف صلي عليه.
وقال مالك رحمه الله: إذا وجد عضوًا يسيرًا لا يُصلى عليه.
دليلنا: ما احتج به أحمد رحمه الله إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، فروي أن يوم اليرموك كان رجل من المشركين لا يحمل على ناحية من المسلمين إلا أوجع فيها، فحمل عليه رجل من المسلمين فقتله، وأخذ خرجًا كان معه فإذا فيه رؤوس من رؤوس المسلمين، فأتى بها أبا عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - فأمر بها فغسلت وكفنت وحنطت وصلى عليها.
وروي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صلى على عظام بالشام، ذكره ابن المنذر في كتابه.
وروى أن طائرًا ألقى يدًا بمكة من وقعة الجمل فعرفت بالخاتم فصلي عليها.
وهذا يدل على إجماعهم على ذلك.
فإن قيل: يحمل هذا على الدعاء.
الجزء: 4 - الصفحة: 223
قيل له: هذا عدول عن الحقيقة إلى المجاز بغير دليل.
والقياس: أنه بعض من الجملة لا يزال عنها بحال السلامة انفصل عنها بعد وجوب الصلاة عليها، فوجب غسله والصلاة عليه، كما لو وجد الأكثر.
ولا يلزم عليه الشعر والظفر؛ لأن ذلك يزول عنها في حال السلامة، على أن الخرقي قد قال: وإن كان شاريه طويلًا أخذ وجعل منه في أكفانه.
ولا يلزم عليه إذا انفصل في حال حياته بعض أعضائه بالقطع في السرقة أو قصاصًا؛ لقولنا: بعد وجوب الصلاة عليها، وهناك لم يجب، وكذلك أعضاء الشهيد حكمها حكم جملته، وقد قيل: اليد تضمن بالدية فجاز إفرادها بالصلاة، دليله: جملة البدن.
فإن قيل: الأكثر بمنزلة الكل، فلهذا أوجب الصلاة عليها، وليس كذلك الأقل.
قيل له: ليس الأمر كذلك؛ لأن أكثر ركعات الصلاة ليس بمنزلة جميعها، وغسل أكثر أعضاء الوضوء ليس بمنزلة جميعها، وغسل أكثر البدن ليس بمنزلة جميعه، وصوم أكثر شهر رمضان ليس بمنزلة جميعه، وملك أكثر النصاب ليس بمنزلة جميعه، وإخراج أكثر الزكاة ليس بمنزلة جميعها، كذلك يجب أن يكون في مسألتنا.
ولأن الصلاة على الميت؛ لحرمته 1، ولهذا لا يصلى على الكافر؛
الجزء: 4 - الصفحة: 224
لعدم حرمته، وحرمة بعضه كحرمة جميعه في منع إتلافها وضمانها بما يضمن به الجملة كالأنف، والذكر، واللسان، ونحوه، ثم الجملة يصلى عليه كذلك البعض.
واحتج المخالف: بأنه جزء منه غير زائد على النصف، فوجب أن لا يصلى عليه، قياسًا على القتل في المعترك إذا وجد منه أقل من النصف أو النصف سواء أو كاليد إذا قطعت قصاصًا، وفي السرقة، والشعر، والظفر.
والجواب: أن المعنى في جميع ذلك أنه لا يفصل عن جملة لا يجب الصلاة عليها، فلهذا لم يصل عليها، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه منفصل عن جملة تجب الصلاة عليها لا يزال عنها في حال السلامة.
واحتج: بأنه لو صلى على أحد النصفين؛ لوجب إذا وجد النصف الآخر أن يصلي عليه، فيؤدي ذلك إلى إيجاب الصلاة على ميت مرتين أو أكثر، وهذا لا يجوز.
قالوا: ولا يلزمنا على هذا أنه إذا صلى على الأكثر ثم وجد الأقل فإنه لا يصلي عليه.
والجواب: أنا نجوِّز تكرار الصلاة على الجنازة من لم يصل عليها، وإن لم يصل عليها صلى القبر، وهذه مسألة ويأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى.
الجزء: 4 - الصفحة: 225
64 -