مَسْألَة: إذا رأوا سوادًا فظنوهم عدوًا فصلوا صلاة الخوف، ثم بان لهم خلاف ما ظنوا، لم تجزئهم صلاتهم، ويعيدون
ذكره أبو بكر 3 في كتاب الخلاف، وهو قياس المذهب على المتيمم إذا عدم الماء فطلبه في رحله ثم نسيه، وبان أنه معه أنه يعيد.
وبهذا قال أبو حنيفة - رحمه الله - 4.
وللشافعي - رضي الله عنه - قولان 5: أحدهما: مثل هذا.
الجزء: 4 - الصفحة: 30
وقال في الإملاء: لا يعيدون.
دليلنا: أن الله تعالى أباح صلاة الخوف بشرط العدو، فلا تجزئهم كما لو علموا أنه ليس هناك عدو.
ولأن السبب الموجب للخوف هو العدو، والعدو غير موجود، فالسبب غير موجود، وإذا لم يوجد السبب صار كأنه صلى بإيماء من غير سبب أوجب ذلك، فلا تجزؤه، وليس هذا مثل أن يخاف السبع بانقطاعه عن القافلة أن له أن يصلي على الراحلة بإيماء؛ لأن الانقطاع عن القافلة هو السبب الذي يوجب خوف الضرر من السبع، وهو يحصل بانشغاله بالصلاة، وأما في مسألتنا فليس السبب الموجب لخوف العدو الاشتغال بالصلاة، وإنما السبب خوف 6 العدو، والعدو غير موجود.
واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 238، 239]، فأباح ذلك عند الخوف، وذلك موجود.
والجواب: أن معناه فإن خفتم العدو في الحقيقة، بدليل: ما قدمنا.
واحتج: بأنهم صلوا لعلة موجودة، وهو الخوف، فيجب أن تصح صلاتهم قياسًا عليه إذا كان هناك عدو حقيقة، قالوا: والذي يدل على أن العلة الخوف أن العدو لو حضروا ولم يخافوا منهم 7 لم يجز لهم
الجزء: 4 - الصفحة: 31
أن يصلوا هذه الصلاة، وإذا خافوا جاز لهم، فدل على أن العلة هي الخوف، وقد وجد، كذلك من خاف إن نزل عن راحلته للصلاة الفريضة أن ينقطع عن الرفقة ويفترسه سبع جاز له أن يصلي الفريضة على الراحلة ولا يعيد.
والجواب: أنا لا نسلم أن العلة الخوف فقط، وإنما العلة الخوف من العدو، وليس ها هنا عدو.
وقولهم: إنه لو حضر العدو ولم يخافوا منه لم يجز لهم أن يصلوا صلاة خوف، فإنما كان كذلك لعدم العلة، وهو الخوف منه؛ لأنا لسنا نقول: العلة وجود العدو فقط، وإنما العلة الخوف منه، وهناك لم يوجد الخوف، وأما إذا خاف انقطاعه من الرفقة، ومن السبع، فقد أجبنا عنه، وبينا أن الانقطاع عن القافلة هو السبب الذي يوجب خوف الضرر من السبع، وهو يحصل باشتغاله من الصلاة، والعلة ها هنا كونه خائفًا من العدو، والعدو غير موجود.
واحتج: بأنهم لو رأوا العدو فصلوا صلاة شدة الخوف خوفًا منهم، وعرفوا بعد ذلك أن العدو لم يكن على طلبهم، ولا قتالهم بل كان على مبادلة القتال، فلا إعادة، كذلك ها هنا.
والجواب: أنا إن سلمناه، فذلك خوف من عدو، والله أعلم.
6 -