مَسْألَة: اختلفت الرواية عن أحمد - رحمه الله - في كلام العامد في الصلاة لمصلحتها، هل تبطل الصلاة، أم لا؟ :
12 الجزء: 1 - الصفحة: 196
فنقل حنبل 3، وحرب 4: أنه يَقْطع، فقال في رواية حرب بعد كلام كثير: ولو أن إمامًا تكلم اليوم، وأجابه أحد، أعاد الصلاة 5.
وقال أيضًا في رواية حنبل: إنما كان ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ولمن أجابه، ولو فعل هذا إمام ومن وراءَه، فسدت صلاته وصلاتهم، وأعادوا، وهو اختيار أبي بكر من أصحابنا 6، وبهذا قال أبو حنيفة 7، والشافعي 8، وداود 9 - رحمهم الله -.
ونقل صالح 10، وأبو داود 11، وأبو طالب 12: إن تكلم الإمام، لم تنقطع صلاته، وإن تكلم المأموم، انقطعت صلاته.
فقال في رواية صالح: في إمام صلى ركعتين، ثم سلم: أنه يعيد
الجزء: 1 - الصفحة: 197
كلُّ من أجابه وتكلم، والإمام لا يعيد إذا كان يستثبت.
وكذلك نقل أبو داود عنه: في إمام صلى ركعتين وسلَّم: فكل 13 من تكلم وراءه يعيد، فإذا تكلم الإمام، فقال: صليت ركعتين؟ وأشاروا إليه برؤوسهم، يبني على صلاته.
وكذلك نقل أبو طالب: في إمام سلم من ركعتين، وسألهم، فأخبروه، أعادوا؛ لأنه ليس بواجب على أحد أن يجيب أحدًا، وإنما يتم الإمام إذا كان عنده أنه صلى تمامًا أربعًا على ما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهو اختيار الخرقي من أصحابنا 14.
وقال مالك - رحمه الله - 15: لا يقطع الصلاة الإمام والمأموم.
وجه الرواية الأولى، وأن الصلاة تنقطع: ما روى زيد بن أرقم - رضي الله عنه - قال: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، فأمرنا بالسكوت 16.
وروى أبو داود بإسناده عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: كنا نسلِّم في الصلاة،
الجزء: 1 - الصفحة: 198
ونأمر بحاجتنا، فقدمتُ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس، فسلمت عليه، فلم يردَّ عليّ السلام، فأخذني ما قَدُم وما حَدُث، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة، قال: "إن الله يُحدِث من أمره ما يشاء، وإن الله قد أحدَث أن لا تَكَلَّموا في الصلاة"، وردَّ عليَّ السلام 17.
وروى أبو داود بإسناده 18 عن معاوية بن الحكم - رضي الله عنه - قال: صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم.
فقلت: واثُكْل أمتاه 19! ما شأنكم تنظرون إليّ؟ قال: فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فعرفت أنهم يُصَمِّتوني.
وروي: فلما رأيتهم يُسَكِّتوني، لكني سكتُّ، فلما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأبي وأمي -، ما ضربني، ولا كَهَرني 20، ولا سبَّني، قال: "إن هذه الصلاة لا يحلّ فيها شيء من كلام الناس هذا؛ إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن"، أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذكر الخبر 21.
الجزء: 1 - الصفحة: 199
فعموم هذه الأخبار تقتضي النهي عن الكلام في الصلاة، سواء لإصلاح الصلاة، أو لغيره.
ولأنه من كلام الناس، فأشبه إذا لم يرد منه إصلاح الصلاة، ولا يلزم عليه السلام؛ لأنه ليس من كلام الناس، ووجدنا أن السلام مسنون فيها، فلو كان من كلام الناس، ما كان مسنونًا فيها.
واحتج المخالف: بما روى أحمد - رحمه الله - 22، وذكره أبو بكر فقال: نا ابن أبي عدي 23 عن ابن عون 24، عن محمد 25، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشاء، يذكرها أبو هريرة، ونسيها محمد، قال: فصلى ركعتين، ثم سلم، فأتى خشبة في المسجد معترضة، فقال بيده عليها، كأنه غضبان، وخرجت السَّرَعان 26 من أبواب المسجد
الجزء: 1 - الصفحة: 200
فقالوا: قصرت الصلاة، قصرت الصلاة.
وفي القوم أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما -، فهابا أن يتكلما، وفي القوم رجل في يده طول يُسمى: ذا اليدين، فقال: يا رسول الله! أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: "لم أنس، ولم تقصر الصلاة" ثم قال: "أكما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: نعم.
فجاء فصلى الذي كان ترك، ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر.
فكان محمدٌ يُسأل: ثم سلم؟ 27.
وروى أحمد - رحمه الله - أيضًا 28، وذكره أبو بكر قال: نا إسماعيل بن إبراهيم 29 قال: نا خالد الحذاء 30 عن أبي قلابة 31، عن أبي
الجزء: 1 - الصفحة: 201
المهلب 32، عن عمران بن حصين - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[سلَّم] 33 في ثلاث ركعات من العصر، ثم قام فدخل، فقام إليه رجل يقال له: الخرباق، وكان في يده طول، فقال: يا رسول الله! فخرج إليه، فذكر صنيعه، فجاء فقال: "أصدق هذا؟ " قالوا: نعم.
فصلى الركعة التي ترك، ثم سجد سجدتين، ثم سلم 34.
قالوا: فوجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنى على صلاته، ولم يأمر ذا اليدين، ولا الخرباق باستئناف الصلاة؛ لأنه تكلم لإصلاح الصلاة.
والجواب: أن ذلك كان في إباحة الكلام في الصلاة، ألا ترى أنه رُوي في الخبر: "وجاء إلى جذع في المسجد، واستند إليه، وخرج سرعان الناس وهم يقولون 35: قصرت الصلاة، قصرت الصلاة"، ولم يكن كلامه لإصلاح الصلاة، ومع هذا، فلم يأمر باستئنافها، فعلم أن ذلك كان في حال إباحة الكلام في الصلاة، ثم حُظر الكلام في الصلاة بعد ذلك، وقد
الجزء: 1 - الصفحة: 202
رُوي عن الزهري: أنه قال: كان ذلك قبل استحكام الفرائض 36.
واحتج: بأنه كلام أُتي به قصدًا للتنبيه به لإصلاح الصلاة، فلم تبطل به؛ كالتسبيح للإمام بالسهو، وللمار بين يديه.
والجواب: أن التسبيح ليس من كلام الآدميين، ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرق بينهما فقال: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" 37، فلم يجعله من كلام الآدميين وأجراه مجرى قراءة القرآن، فلهذا إذا قصد به إصلاح صلاته، لم تفسد، وما اختلفنا فيه من كلام الآدميين، فيجب أن يفسد صلاته، كما لو لم يقصد به إصلاح صلاته.
واحتج: بأن التنبيه على مصلحة الصلاة قد يقع بما لا يكون مباحًا لغيره.
دليله: التصفيق للنساء.
والجواب: أن مالكًا 38 - رحمه الله - منع من التصفيق في حق النساء،
الجزء: 1 - الصفحة: 203
فلا يصح احتجاجه بذلك.
على أن التصفيق فعل يسير، فعفي عنه؛ كالخطوة والخطوتين، وليس كذلك ما اختلفنا فيه؛ لأنه كلام، وقد سوى في ذلك بين القليل والكثير في الفساد، والله أعلم.
16 -