مَسْألَة: لا يجوز للمشرك دخولُ المسجد الحرام، ولا الحَرَم:
1 الجزء: 2 - الصفحة: 82
نص عليه أحمد - رحمه الله - في رواية ابن منصور 2، وهو قول مالك 3، والشافعي 4 - رحمهما الله -.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: يجوز دخولُهم 5.
دليلنا: قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28]، وهذا نهي، والنهي يقتضي التحريم.
فإن قيل: الظاهر يقتضي نهيهم عن القرب منه، وهذا مُطَّرَح بالإجماع، وإنما الخلاف في الدخول.
قيل له: قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا﴾ يقتضي: لا يدخلوا، ولا يتلبسوا به، وليس ذلك قولهم: قرب من الشيء: إذا دنا منه، وقربه قربانًا: إذا دخله، وتلبس به، وبهذا قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: 43]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: 32]، وأراد به: الدخول والتلبس، على أن القرب منه أيضًا حرام عندنا؛ لأنه يجوز له دخول الحرم.
فإن قيل: معناه: لا تقربوه للحج؛ بدلالة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث
الجزء: 2 - الصفحة: 83
عليًا - رضي الله عنه - ليقرأ سورة براءة، فأمر عليٌّ أبا هريرة - رضي الله عنه - بأن ينادي والمشركون حضور: ألا لا يحج بعد عامهم هذا مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين الله عهد، فعهدُه إلى مدته 6، فنهاهم عن الحج بعد تلك السنة، فعلم أنهم عن قربه للحج 7، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، فحصر العام بالذكر؛ لأن الحج يُفعل في العام مرة، ولو كان المراد النهيَ عن دخوله على الإطلاق، لما خص العام بالذكر.
قيل له: قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾، وهذا يقتضي أن يكون المنع من دخول المسجد الذي أمر بتطهيره بقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: 26]، ولأنه لو أراد النهي عن الحج، لذكر الوقوف الذي هو معظم الحج، ويكون مدركًا للحج لإدراكه، ولهذا خصه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالذكر، فقال: "الحج عرفة، من أدرك عرفة، فقد أدرك الحج" 8، ولما خص المسجد الذي يفعل
الجزء: 2 - الصفحة: 84
فيه ركنٌ من أركان الحج ليس ذلك بشرط في إدراكه، والأمن من فواته 9، علم أنه لم يقصد الحج، وإنما قصد المسجد.
وأما قولهم: إنه خص العام بالذكر؛ لأن الحج يُفعل في ذلك، فغير صحيح؛ لأنه لم يخصه بالعام، وإنما نهى بعد ذلك العام، ولم يخص بعده وقتًا دون وقت، وزمانًا 10 دون زمان، ويدل عليه: أنه قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾؛ أي: فقرًا بانقطاع الحمل للتجارات 11، ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ عن حملهم وجلبهم، فدل على أن ذلك منع من دخولهم للحج وغيره؛ إذ لو كان منعًا من الدخول للحج وحدَه، لكان لا يخاف منه الفقر بانقطاع الجلب، وأما إنفاذ علي - رضي الله عنه - ليُنادي 12، فإنه خاص في المنع من الحج، وليس بتفسير لهذه الآية، فلا = (هذا أجود حديث رواه سفيان الثوري)، وأخرجه النسائي في كتاب: الحج، باب: فرض الوقوف بعرفة، رقم (3016)، وابن ماجه في كتاب: المناسك، باب: من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع، رقم (3015)، ونقل عن محمد بن يحيى: أنه قال: (ما أرى للثوري حديثًا أشرف منه)، وصححه جمع من أهل العلم.
ينظر: البدر المنير (6/ 230).
الجزء: 2 - الصفحة: 85
يكون فيه دلالة على ما ذكرنا من التأويل، وأيضًا: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج، ولا لمشرك أن يدخل المسجد الحرام" 13، وهذا يدل على أن المشرك ممنوع من دخول المسجد الحرام.
واحتج المخالف: بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن، ومن دخل المسجد، فهو آمن، ومن تعلق بأستار الكعبة، فهو آمن" 14، فأباح لهم دخول المسجد الحرام، وأمَّنهم إذا دخلوه.
الجزء: 2 - الصفحة: 86
والجواب: أن هذا قاله عام الفتح، ومكةُ دار المشركين، وهو سنة ثمان، ثم نزل في سنة تسع قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ الآية [التوبة: 28]، فكان المتأخر ناسخًا للمتقدم.
واحتج: بأن لهم أن يدخلوا سائر المساجد، فلهم أن يدخلوا المسجد الحرام، دليله: أهل الإسلام.
والجواب: أنه لا نجوّز لهم أن يدخلوا سائر المساجد على الصحيح من الروايتين، فلا نسلم الوصف، ثم لا يجوز اعتبار [المسلم] (1) بالكافر في جواز الدخول، كما لم يجز اعتبار الطاهر بالجنب، والحائض في جواز الدخول، وهما سواء؛ لأن الحائض، والجنب منعا؛ تعظيمًا لحرمة المكان، وهما أقرب إلى الطهارة، والإباحة، فالكافر بالمنع أولى، والله أعلم.
71 -