مَسْألَة: لا تصح الخطبة إلا بحضور (6) عدد تنعقد بهم الجمعة:
ذكر أبو بكر في كتاب الشافي، فقال: لا أعلم عن أبي عبد الله خلافًا إن لم يتم العدد في الصلاة أو الخطبة: أنهم يعيدون الصلاة 7.123456
الجزء: 3 - الصفحة: 136
وقد أومأ إليه أحمد في رواية ابن إبراهيم 8 - وقد سئل عن حضور الخطبة يوم العيد؟ -، فقال: ينتظر حتى يفرغ الإمام من الخطبة، أرأيت لو ذهب الناس كلهم، على من كان يخطب؟ فاعتبر حضورهم في خطبة العيد.
وهو قول الشافعي - رحمه الله - 9، وبه قال ابن القصار 10، وابن نصر المالكي 11؛ تخريجًا على مذهب مالك - رحمه الله - 12.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله - في إحدى الروايتين: يصلي منفردًا 13.
الجزء: 3 - الصفحة: 137
دليلنا: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9]، والذكر بعد النداء هو: الخطبة.
فإن قيل: فما ينكر أن يكون المراد به: الصلاة؟
قيل له: الصلاة لا تسمى ذكرًا لله تعالى.
فإن قيل: فيها 14 ذكر الله، وهو التكبير، كما أن الخطبة فيها ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والوعظ والتذكير، وليس جميع ذلك ذكر [اً] لله تعالى.
قيل له: الخطبة كلها ذكر، وإضافتها إلى الله تعالى إضافة الآمر بها؛ كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115]، وأراد به: الوجه المأمور بالتوجه إليه، وليس كذلك الصلاة؛ فإنها ليست بذكر، وإنما هي أفعال وأذكار.
فإن قيل: ﴿فَاسْعَوْا﴾ خطابٌ للجميع، ولا يجب على الجميع حضورُها 15، وإنما يجب على العدد الذي تصح بهم الخطبة.
قيل له: الأمر متعلق بالجميع، إلا أن يقوم دليل علي جواز حضورها من تحصل به الإقامة.
= الذي تنعقد بهم الجمعة عند الخطبة، وروي عنهم رواية أخرى: أنه غير معتبر).
ينظر: التجريد (2/ 938)، وبدائع الصنائع (2/ 206).
الجزء: 3 - الصفحة: 138
فإن قيل: قد أجمعوا على أن السعي إلى صلاة الجمعة واجب بهذه الآية، فإذا حملتم الآية على الخطبة، خرجت عن أن يكون دلالة على حضور صلاة الجمعة.
قيل له: إذا دلت الآية على وجوب السعي إلى الخطبة، كان فيها دلالة على وجوب السعي إلى الصلاة؛ لأن الخطبة تراد للصلاة، ولأن الخطبة أقيمت مقام الركعتين؛ بدليل: أنه إذا لم يخطب، صلى ظهرًا أربعًا، وإذا كانتا 16 كالركعتين، ثم [إذا] ثبت أن العدد شرط في الركعتين، وجب أن يكون شرطًا في الخطبتين، ولأن الخطبتين كصلاة الجمعة؛ بدليل: أن الوقت شرط فيها كالركعتين، ثم العدد شرط في الركعتين، كذلك الخطبتان، ولأن الخطبة ذكرٌ جُعل شرطًا في صحة الجمعة، فلا تصح إلا بحضور 17 العدد والمشروط فيها، أصله: تكبيرة الإحرام.
فإن قيل: تبطل بالشهادتين، هي ذكر جُعل شرطًا في صحة الجمعة، وتصح من غير حضور العدد.
قيل له: لا تبطل؛ لأن الشرط هو الإيمان، وهو اعتقاد القلب 18، وليس ذلك بذكر، والشهادتان إخبار عما في القلب من الاعتقاد، فلم
الجزء: 3 - الصفحة: 139
يلزم ما ذكرت.
فإن قيل: تكبيرة الإحرام من الصلاة، وليست بشرط فيها.
قيل له: تكبيرة الإحرام ليست من الصلاة عندك، فلا معنى لهذا، وأما على أصلنا: فهي منها، وشرط في صحتها؛ كالقراءة هي منها، وشرط في صحتها.
فإن قيل: تكبيرة الافتتاح متصلة بالجمعة، فاعتبر فيها العدد الذي يعتبر في الجمعة، والخطبة منفصلة عنها، فلم يعتبر فيها العدد، كما لا يعتبر في الأذان والإقامة.
قيل له: الركعة الثانية لا يعتبر أبو حنيفة - رحمه الله - فيها العدد 19، وهي متصلة بالجمعة، وهي شرطها، فإذا صلى الإمام بهم ركعة، ثم انفضوا عنه، جاز له أن يصلي أخرى منفردًا، وأما الأذان والإقامة، فليسا بشرط، وتصح الجمعة مع تركهما، وليس كذلك الخطبتان، فإنهما شرطان، ولأن الخطبة خطاب، فاقتضى حضور المخاطب، والأذان والإقامة إعلام، فلم يقتضيا حضور المعلَمين؛ لأن إعلام، الغائب صحيح، وخطاب الغائب لا يصح.
واحتج المخالف: بأنه ذكر يتقدم الصلاة للصلاة، فأشبه الأذان والإقامة.
والجواب عنه: ما تقدم.
الجزء: 3 - الصفحة: 140
147 -