مَسْألَة: النوافل المرتبة مع الفرائض إذا فاتت، فإنها تُقضى:
نص على هذا في رواية المروذي 1، فقال: ويقضي الوتر بعد طلوع الفجر، وكذلك نقل حرب عنه 2: فيمن نسي الركعتين قبل صلاة الفجر، فذكرهما بعد يوم أو يومين: يصليهما.
وروى مهنا عنه 3: في رجل عليه قضاء صلوات: يعيد ركعتي الفجر، ولا يعيد الوتر.
فظاهر هذا: أنه فرَّق بين الوتر، وبين ركعتي الفجر، وأسقط القضاء في الوتر، وكذلك نقل عبد الله عنه 6: أنه سئل45
الجزء: 2 - الصفحة: 141
عمن 7 نسي الوتر حتى أصبح، هل عليه القضاء؟ قال: إن قضى، لم يضره، وما سمعنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى شيئًا من التطوع إلا ركعتي الفجر 8، ويقال: إنه شغل عن الركعتين بعد الظهر، فصلاهما 9. والمذهب: أنه يقضي الوتر كما يقضي غيرها من النوافل المرتبة 10، نص عليه في رواية المروذي في قضاء الوتر 11، وكذلك نقل يوسف بن موسى، وأحمد بن الحسين 12 في الرجل يفجؤه الصبح ولم يوتر؟ قال: يوتر بواحدة 13، وكذلك نقل أحمد بن أبي عبدة: في رجل فاتته صلوات: يعيد الوتر 14. وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: إذا فاتته دون الفرائض، فلا يقضيها،
الجزء: 2 - الصفحة: 142
وإن فاتته مع الفرائض، قضاها 15.
وللشافعي - رضي الله عنه - قولان 16:
أحدهما: مثلُ قولنا، وأنه يقضي.
والثاني: لا يقضي، وهو قول مالك - رحمه الله - 17، ولا فرق عندهما بين أن تفوت مع الفرائض، أو منفردة.
دليلنا: ما روى قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من لم يصلِّ ركعتي الفجر حتى تطلع الشمس، فليصلِّهما".
رواه ابن خزيمة في كتابه 18، وابن المنذر 19، وجابر بن المرجا
الجزء: 2 - الصفحة: 143
الحافظ 20، وهذا نص.
فإن قيل: يحتمل أن يريد: إذا لم تصل ركعتي الفجر مع صلاة الفجر.
قيل: لو كان المراد به: إذا فاتت مع الفرائض، لم يخصها بالذكر؛ لأنها تابعة، ولكان يخص الفرض بالذكر؛ لأنه المتبوع.
وأيضًا [روى] 21 أبو بكر بإسناده عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من نام عن الوتر، أو نسيه، فليصل إذا ذكره، أو استيقظ" 22، وهذا يخص مالكًا، والشافعي - رضي الله عنهما -.
فأما أبو حنيفة - رحمه الله -، فإنه يقول بظاهره؛ لأن عنده أن الوتر يُقضى؛ لأنها واجبة عنده؛ ولأنها نافلة مؤقتة، فاستُحِب قضاؤها بعد فوات وقتها؛ قياسًا عليها إذا فاتته مع الفرض، وفيه احتراز من الكسوف، والاستسقاء؛ لأنها غير مؤقتة.
الجزء: 2 - الصفحة: 144
فإن قيل: لا يجوز اعتبار فواتها بفواتها مع الفرض، ألا ترى أنه لو فاته الأذان والإقامة مع الفرض، أتي بهما بعد فوات الوقت، ولو فاتا دون الفرض، لم يقضهما؟
قيل: الأذان والإقامة غير مقصودين، ألا ترى [أنه] لا يتطوع بهما منفردين؟ والصلاة النافلة مقصودة في نفسها، ألا ترى أنه يتطوع بها منفردة، فجاز أن تقضى؛ ولأنها صلاة مؤقتة، فلم تسقط لفوات وقتها إلي غير قضاء؛ قياسًا على الوتر، وفيه احتراز من الجمعة، فإنها تسقط بفوات وقتها إلى قضاء، وهو الظهر، وفيه احتراز من صلاة الخسوف، والاستسقاء؛ لأنها غير مؤقتة، وإنما تُصلي لأجل عارض، وكل صلاة تقضى إذا فاتت مع غيرها، قضيت إذا فاتت وحدها؛ قياسًا على الوتر.
فإن قيل: المعنى في الوتر: أنها واجبة.
قيل: لا نسلم لك هذا، بل هي تطوع عندنا.
واحتج المخالف: بما روي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في بيت أم سلمة - رضي الله عنها - ركعتين بعد العصر، فقالت: ما هاتان الركعتان يا رسول الله؟ قال: "ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر، شغلني عنهما مال أتاني، فقسمته".
فقالت: أفنقضيهما إذا فاتتنا؟ قال: "لا" 23، فنهى عن قضائهما، وعندكم: أنها تقضى.
والجواب: أن هذا حجة لنا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضاهما، فلولا أن
الجزء: 2 - الصفحة: 145
القضاء جائز، لم يقضه، على أننا نحمل قوله: "لا تقضى" على الوجه الذي كان يقضيه هو في حقه، وهو أنه - عليه السلام - كان يداوم على القضاء فيما يفوته، وفي غيره، وهو مخير بين المداومة وغيرها.
واحتج: بأنها من سنن هذه الفرائض، فإذا فاتت على الانفراد، لم تُقض، أصله: الأذان، والإقامة.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو أن الأذان غير مقصود في نفسه، ولهذا لا يتطوع بمثله منفردًا، وهذه مقصودة في نفسها، ويتطوع بمثلها منفردًا، فبان الفرق.
واحتج: بأنه إذا قام من اثنتين من الظهر، لم يعد؛ لأن القعود فيها مسنون، فإذا فاته عن موضعه دون الفرض، لم يقضه، كذلك هذا.
والجواب: أن التشهد، والاستفتاح لا يسقط لفوات محله، وإنما يسقط بالانتقال إلى الفرض المقصود الذي بعده، ألا ترى أنه إذا لم يعتدل قائمًا، ولم يشرع في القراءة، رجع؛ لأنه لم يحصل في ركن مقصود؟
واحتج: بأن هذه صلاة تطوع، فيجب أن لا تقضى بعد فواتها عن موضعها؛ دليله: صلاة الكسوف، والخسوف.
والجواب: إن تلك ليس لها وقت راتب، وهذه لها وقت راتب، فهي كالوتر، وكما لو فاتت مع الفرض.
واحتج: بأنا لو أمرناه بقضائها، لأثبتناها في ذمته، وذلك يخرجها من حد النوافل، ويخلصها في حد الواجبات.
الجزء: 2 - الصفحة: 146
والجواب: أن هذا يبطل به إذا فاتته ركعتا الفجر مع صلاة الفجر، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
80 -