مَسْألَة: يصلى على الغائب بالنية:
نص عليه في رواية الأثرم، وإسماعيل بن سعيد، واحتج: بحديث النجاشي.
وقال حرب: قلت لأحمد رحمه الله: رجل مات بأرض يصلي عليه رجل بأرض أخرى؟ وأردت حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على النجاشي، فغضب وقام وقال: دعنا من هذا.
فظاهر هذا أنه توقف عنه.
والمذهب على ما صرح به من الجواز.
وهو قول الشافعي رحمه الله.
وقال أبو حنيفة، ومالك رحمهما الله: لا يجوز الصلاة عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 271
دليلنا: ما روى أحمد - ذكره أبو بكر - قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن مالك يعني ابن أنس قال: حدثني الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: نعى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[النجاشي] في اليوم الذي مات فيه فخرج إلى المصلى فصف أصحابه خلفه فكبر عليه أربعًا.
روى أبو بكر بإسناده عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلغه موت النجاشي، فقال: صلوا على أخ لكم مات بغير بلدكم، قال: فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصفنا صفوفًا، قال جابر: وكنت في الصف الثاني أو الثالث، وكان اسم النجاشي أصحمة.
وروى أحمد بإسناده عن عمران بن حصين - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن أخاكم النجاشي قد مات، قال: فصفنا خلفه، وإني لفي الصف الثاني وصلى عليه، ذكره أبو بكر الخلال في العلل.
فإن قيل: النجاشي مات بأرض الكفر ولم هناك من يصلي عليه، فلهذا جاز للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي عليه، وهذا معدوم فيما اختلفنا فيه.
قيل له: هذا لا يصح؛ لأنه لو في بادية أو غرق في البحر وعلم أن أحدًا لم يصل عليه لم يجز أن يصلي عليه بالنية، فلا معنى لقولك: إنه لم يكن بحضرته من يصلي، وعلى أن النجاشي كان كافرًا وأسلم وأظهر إسلامه، وآوى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونصرهم.
وروى أبو داود في كتابه عن أبي بردة - رضي الله عنه - قال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ننطلق إلى أرض النجاشي، وذكر الحديث إلى أن قال: أشهد أنه
الجزء: 4 - الصفحة: 272
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي بشر به عيسى ابن مريم صلوات الله وسلامه عليهما، لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه، وليس في العادة أن يسلم ملك، ويظهر إسلامه سنين كثيرة، ويأوي المسلمين، وينصرهم على عدوهم، ويدوم ذلك ويتصل، ولا يسلم معه غيره من أتباعه ورعيته، واذا كان هذا ممتنعًا في العادة سقط السؤال.
فإن قيل: يحمل قوله: صلى عليه، يعني دعا له.
قيل له: روي في الخبر: أنه خرج إلى المصلى وصف أصحابه وكبر أربعًا، وهذه صفة صلاة الجنازة، فلا يجوز حمله على غيره.
فإن قيل: يجوز أن يكون رفع الحجاب حتى رأى النجاشي وصلى عليه.
قيل له: الصحابة قد صلوا معه، فلو كان لهذا المعنى لكان ينفرد بالصلاة عليه دون أصحابه، وعلى أنه لو كان كذلك لأخبر أصحابه بذلك؛ لأنها آية عظيمة، ومعجزة ظاهرة يكثر النقل لها، فلما لم ينقل دل على أنه لا أصل له.
ولأنه غائب فجاز الصلاة عليه، دليله: إذا كان في موضع ليس فيه من يصلي عليه.
فإن قيل: هناك حاجة؛ لأنه لو لم يصل عليه إن أفضى إلى إسقاط الصلاة جملة.
قيل: لو مات في بادية وعلم أنه لم يصل عليه، لم يصل عليه
الجزء: 4 - الصفحة: 273
عندهم، وإن أفضى إلى ذلك.
واحتج المخالف: بأن بحضرته من يصلي عليه، فوجب أن لا يجوز لمن غاب عنه أن يصلي عليه، دليله: إذا مات في بلد، فصلى عليه أهل محلة أخرى من ذلك البلد، ولم يشهدوا جنازته ولا دفنه.
والجواب: أن قولهم: بحضرته من يصلي عليه، لا معنى له؛ لأنه لو مات في بادية أو غرق في البحر، فإنه لا يصلى عليه عندهم، وإن لم يكن بحضرته من يصلي عليه، وعلى أن البلد 1 الواحد، إنما لم يجز الصلاة فيه بالنية؛ لأنه لا حاجة بهم إلى ذلك؛ لوجود القدرة على الصلاة على الميت، وفي بلد آخر بنا حاجة، وفرق بينهما، ألا ترى أن صلاة الصف الآخر جائزة، وإن اتصلت الصفوف وطالت وحصلت بين الجنازة وبين مسافة بعيدة؟ ! ولو وقف في موضع الصف الآخر من غير حاجة إلى ذلك لم يجز كذلك.
واحتج: بأن من شرط صحة الصلاة على الميت أن يكون الميت حاضرًا بين يديه، ألا ترى أنه لو تركه خلفه، وصلى إلى القبلة لم يصح؟ !
والجواب: أن هذا شرطه في الموضع الذي لا حاجة به إلى الغيبة، فأما عند الحاجة فليس ذلك من شرطه، وقد بينا أن للحاجة تأثيرًا في الجواز، بدليل: الصف الأخير، والله أعلم.
الجزء: 4 - الصفحة: 274
82 -