مَسْألَة: يغسل الرجل امرأته:
نص عليه في رواية حنبل فقال: لا بأس أن تغسل المرأة زوجها، والزوج امرأته، ويكون من وراء قميص.
فقد نص على جواز ذلك.
وقد توقف عنه في موضع آخر فقال في رواية الأثرم: أما المرأة فتغسل زوجها، وأما الرجل فيغسل امرأته ففيه اختلاف، وكذلك نقل صالح.
وهذا التوقيف لا يمنع الجواز؛ لأنه قد صرح في رواية حنبل، وهو قول مالك، والشافعي، وداود رحمهم الله.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز.
دليلنا: ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعًا في رأسي وأقول: وارأساه فقال: "بل أنا وارأساه" ثم قال: "ما ضرك لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك" فقالت: كأني بك لو فعلت ذلك رجعت إلى بيتي فعرست من بعض نسائك، فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
الجزء: 4 - الصفحة: 166
وهذا ظاهر في جواز غسل الرجل امرأته.
فإن قيل: قوله: "غسلت" معناه: أمرت بغسلك، وقمت عليه، كما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - غسله ستة فأضيف الفعل إليهم وإنما تولاه علي والفضل بن العباس - رضي الله عنهم -، والباقون كانوا يعينون عليًا.
قيل له: يجب حمل اللفظ على حقيقته، وهو فعل الغسل كما وجب حمله على حقيقته في الصلاة على المعين في الغسل، والقائم عليه كالغاسل من الخلوة بها، والنظر إليها.
فإن قيل: فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "زوجاتي في الدنيا زوجاتي في الآخرة"، وقال: "كل سبب ونسب منقطع إلا سببي ونسبي"، وهذا يقتضي أن الموت لم يكن يقطع النكاح بينه وبين زوجاته، فلهذا قال: "لو مت غسلتك".
ولأنه لا يحل نكاحهن بعده.
قيل له: لا يجوز أن يقال: إن النكاح لا ينقطع بالموت؛ لأنه لو كان كذلك لكانت المرأة إذا ماتت لم يجز للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتزوج بأختها، وعمتها، وخالتها، فلما أجمعنا على جواز ذلك دلَّ 1 على أن النكاح قد زال.
الجزء: 4 - الصفحة: 167
فإن قيل: إنما جاز ذلك؛ لأنه يؤدي إلى فساد ذات البين، وفي حال الحياة يؤدي إلى ذلك، وإلى العداوة بين الأختين.
قيل: لو جاز ذلك بعد موتها للمعنى الذي ذكرته لجاز أن يتزوج بأختين في السر، ويخفي كل واحدة منهما عن الأخرى، ولكان يجوز أن يتزوج بأختين صغيرتين أو مجنونتين؛ لأنه لا يؤدي إلى المعنى الذي ذكرته، فلما لم يجز ذلك، دل على فساد هذا.
فأما قوله عليه السلام: "زوجاتي في الدنيا زوجاتي في الآخرة"، فهذا لكل مسلم، بدلالة ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "تكون الزوجة مع زوجها في الجنة".
وأما قوله عليه السلام: "كل سبب ونسب ينقطع إلا سببي نسبي"، فمعناه: أن الانتفاع في الآخرة بالإسلام، معنى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ [المؤمنون: 101]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88، 89]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ايتوني بأعمالكم ولا تأتوني بأنسابكم"، وقال عليه السلام لفاطمة رضي الله عنها: "إذا أردت أن تلقيني فأكثري من السجود".
وأما تحريم زوجاته من بعده فإنما هو لأنهن أمهات المؤمنين فحرمهن لهذا المعنى دون بقاء عقد النكاح.
فإن قيل: إنما كان هذا منه على طريق المزاح دون التحقيق.
قيل له: كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - يحمل على الحقيقة بكل حال، ولو كان
الجزء: 4 - الصفحة: 168
مزاحًا فإنه قد قال عليه السلام: "إني لا أمزح ولا أقول إلا حقًا".
وأيضًا روى أبو بكر بإسناده عن أسماء بنت عميس أن عليًا - رضي الله عنه - غسل فاطمة رضي الله عنها، قالت 2 أسماء: وأعنته عليها.
فإن قيل: فقد روى بكر بن محمد عن أبيه قال: قيل لأبي عبد الله: غسل علي فاطمة - رضي الله عنهم -؟ قال: ليس له إسناد.
وكذلك روى الفضل بن زياد عنه قال: يروى من طريق ضعيف.
وكذلك روى هارون المستملي وقد ذكر أحمد رحمه الله حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: الرجل أحق بغسل امرأته وبالصلاة عليها، فقال: هذا منكر ما أراه إلا من حديث ابن أبي يحيى.
قيل له: يحتمل أن يكون قال ذلك مرة ثم تبين صحته في الثاني؛ لأن أصحابنا رووا واعتمدوا عليه.
فإن قيل: روي أن أم هانئ كانت تغسلها، وكان علي - رضي الله عنه - يعطيها الماء، فأضيف الفعل إليه؛ لأنه كان يعين على غسلها.
قيل له: قد روينا أنه كان يغسلها، وأن أسماء كانت تعينه، وهذا صريح في وجود الفعل من جهته.
فإن قيل: إنما غسلها؛ لأن النكاح كان عليهما باقيًا بعد موتها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: "هي زوجتك في الدنيا والآخرة".
الجزء: 4 - الصفحة: 169
قيل له: قد تكلمنا في هذا فيما تقدم، وبينا أن أزواجه تنقطع بالموت.
وأيضا روى أبو بكر بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال: يغسل الرجل امرأته.
ولا نعرف له مخالفًا في الصحابة فدل على جوازه.
والقياس: أن كل فرقة حصلت بالوفاة لم تحرم الغسل، كما لو مات الزوج وهي في العدة، فإنها تغسله.
فإن قيل: فإذا مات الزوج فأحكام الزوجية باقية؛ لأنها معتدة عنه، فلذلك جاز لها غسله ما دامت في العدة، ولهذا نقول: لو كانت حاملًا فوضعت قبل أن تغسله لم يجز لها غسله، وإذا ماتت المرأة فلم يبق لأحكام الزوجية شيء.
قيل له: في حيثية تحريم أم الزوجة عليه، وذلك حكم من أحكام العقد، ولأن عليه نفقتها عندهم وتجهيزها، وكذلك من أحكام العقد فيبطل هذا.
وجواب آخر: وهو أنه لو طلقها ثلاثًا ثم مات في أثناء العدة، فإنها لا تغسله، وإن كانت أحكام الزوجية باقية.
فإن قيل: عدة الطلاق من أحكام الوطء، ألا ترى أنه لو طلقها قبل الدخول، فلا عدة عليها؟ ! وليس كذلك عدة الوفاة؛ لأنها من أحكام العقد، ألا ترى أنه لو مات عنها قبل الدخول لزمتها العدة؟ !
الجزء: 4 - الصفحة: 170
قيل له: هذا لا يصح على أصل المخالف؛ لأنه يقول في المختلعة: يلحقها الطلاق ما دامت في العدة، ويزعم أن عدتها من أحكام النكاح، وعلى أن الوطء من أحكام العقد، ولا فرق بين ما أوجبه العقد، وبين ما أوجبه حكم العقد، ألا ترى أنهم قالوا: إن سجود السهو يفعل قبل السلام، ويكون بمنزلة سجود الصلاة؛ لأنه لا فرق بين ما أوجبه تحريمة الصلاة وما أوجبه موجب التحريمة وهو قراءة القرآن.
ويبين صحة هذا: أن تحريم الربيبة، وتحريم أم الزوجة واحد، وإن كانت حرمة الربيبة بالوطء، وحرمة أم المرأة بالعقد فإنهما يحرمان على التأبيد ويصيران محرمين حتى يجوز له أن يخلو بهما ويسافر بهما؛ ولأن عدة الوفاة لو كانت مبيحة للغسل لوجب أن يكون عدة الطلاق أولى بذلك؛ لأن الطلاق يوجب لها فيها النفقة والسكنى.
وقياس آخر: وهو أن كل شخص حل له غسل شخص، حل لذلك الشخص غسله كالأخوين، والأختين، ولا يلزم على هذا أم الولد؛ لأن لها أن تغسل سيدها، وله أن يغسلها أيضًا، ولأن كل معنى لو حدث بالزوج لم يمنع الغسل، فإذا حدث بالمرأة لم يمنع الغسل كالجنون.
واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ وهذا عام.
والجواب: أن هذا أمر بالغض من بعض الأبصار؛ لأن (من) للتبعيض، وعلى أن هذا محمول على غض البصر عن الأجنبيات.
واحتج: بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا ينظر الله إلى رجل ينظر
الجزء: 4 - الصفحة: 171
إلى فرج امرأة وبنتها"، فوجه الدلالة: أنها إذا ماتت قبل الدخول جاز له أن يتزوج بنتها، وينظر إلى فرجها، فلو جاز أن يغسل هذه لنظر إلى فرجها وفرج بنتها، وقد منع النبي عليه السلام، فيجب أن يحرم عليه غسلها.
والجواب: أن المراد بذلك المنع على وجه الاستمتاع والتلذذ بهما، وهذا لا يجوز بعد وفاتها، فلم يكن له فيه حجة.
واحتج: بأن له أن يتزوج أختها وأربعًا سواها، فمنع من غسلها كالأجنبية.
والجواب: أنه ينتقض برجل ملك جارية، فإن له أن يتزوج بأختها، وبأربع سواها، ويجوز له مع ذلك غسل هذه الجارية، والنظر إليها.
وعلى أن المعنى في الأجنبيين لما لم يجز لأحدهما غسل صاحبه في حال الحياة لم يجز له بعد الموت.
أو نقول: لما لم يجز لأحدهما غسل الآخر بعد الموت لم يجز للآخر غسله 3، كذلك ها هنا؛ لأنه لما جاز لأحدهما غسله جاز للآخر غسله، دليله 4: والمرأتان.
واحتج: بأن النظر حكم يستفاد بالنكاح فزال بزواله، كسائر أحكام النكاح.
الجزء: 4 - الصفحة: 172
والجواب: أنه باطل بنظر الزوجة إلى الزوج بعد موته، وإن قاسوا على منع النظر إلى الفرج، فالجواب: أنه لما لم يجز للزوجة النظر إليه لم يجز للزوج، وغير الفرج بخلافه، والله أعلم.
46 -