مَسْألَة: يجمع في الخطبة الأولى بين حمد الله، والصلاة على رسوله، والوصية بتقوى الله - عز وجل -، وقراءة آية من القرآن، ويأتي في الثانية مثل ذلك:
ذكره الخرقي في مختصره 1، وقد أومأ إليه - رحمه الله - في رواية أبي طالب 2 - وقد سئل: عن الإمام يخطب يوم الجمعة، يجزئه أن يقرأ سورة من القرآن؟ - فقال: عمر - رضي الله عنه - قرأ 3 سورة الحج على المنبر، قيل له: فيجزئه؟ قال: لا، لم يزل الناس يخطبون بالثناء على الله - عز وجل -،
الجزء: 3 - الصفحة: 203
والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويسلمون - يعني: على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقال أيضًا في رواية بكر بن محمد عن أبيه 4 - وقد سئل: عن الرجل يخطب يوم الجمعة، فيكبر ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحمد الله - عز وجل -؟ -، فقال: لا تكون خطبة إلا كما خطب النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو خطبة تامة.
وبهذا قال الشافعي - رضي الله عنه -، إلا أنه قال: إن لم يقرأ في الثانية، وقرأ في الأولى، أجزأه 5.
وقال أبو حنيفة: إذا خطب بتسبيحة واحدة، أجزأه 6.
وحكى ابن نصر 7 عن مذهب مالك: أنه إذا أتى بكلام مرتب ممتد يجمع موعظة، أجزأه، وإن لم يقرأ، ولم يصلِّ 8 على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وحكى ابن القصار عن مالك - رضي الله عنه - روايتين: إحداهما: نقلها ابن القاسم 9 مثلَ قولنا، ..................................
الجزء: 3 - الصفحة: 204
ونقل ابن [عبد] 10 الحكم 11: مثلَ قول أبي حنيفة 12.
دليلنا: أن الله تعالى أوجب السعي إلى ذكر الله، ولم يبين ذلك الذكر، وبيانُه من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد كان يأتي بجميع ما ذكرنا في خطبته، فثبت وجوب ذلك من وجهين: أحدهما: أن بيان الواجب واجب.
والثاني: أنه - عليه السلام - قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" 13.
وقد روى النجاد بإسناده عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب خطبتين، يجلس بينهما يقرأ القرآن، ويذكِّر الناس 14.
وروى أيضًا بإسناده عن عبد الله بن محمد بن معن 15 عن بنت حارثة
الجزء: 3 - الصفحة: 205
ابن النعمان قالت: كانت تَنُّورنا وتنور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدًا، وما حفظت سورة ﴿ق﴾ إلا من في رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو يخطب يوم الجمعة على المنبر 16.
وروى جابر بن سمرة - رضي الله عنه - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ على المنبر يوم الجمعة آياتٍ وكانت صلاته - عليه السلام - قصدًا، وخطبته قصدًا 17.
وروى بإسناده عن عبادة 18 عن الحكم بن حزن 19 الكُلَفي - رضي الله عنه -: وفَدْنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأقمنا عنده حتى حضرت الجمعة، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتكلم بكلمات خفيفات طيبات مباركات، ثم قال: "أيها = وعبد الله هو: ابن محمد بن معن الغفاري، المدني، قال ابن حجر: (مقبول).
ينظر: التقريب ص 340.
الجزء: 3 - الصفحة: 206
الناس! إنكم لن تستطيعوا، أو لن تطيقوا [كلَّ] 20 ما أمرتكم به، وسَدِّدوا وقارِبوا وأبشروا" 21. وروى أبو بكر بن جعفر بإسناده عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خطب، حمد الله - عز وجل -، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد" 22. وروى أيضًا بإسناده عن جابر بن سمرة - رضي الله [عنه] 23 - قال: كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن، ويذكر الناس 24. وأيضًا: ما روى أبو بكر الخلال في كتاب العلم بإسناده عن أبي هريرة - رضي الله عنه - في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: 1]، فذكر الحديث، وذكر إسراء النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذكر فيه: قولَ الله تعالى له: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]، فلا أُذْكَر إلا ذُكرتَ معي، وجعلتُ أمتك
الجزء: 3 - الصفحة: 207
لا تجوز لهم خطبةٌ حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي 25، وهذا يدل على وجوب ذكره في الخطبة.
وأيضًا: فإن الجمعة لا تصح إلا بخطبة، وهذا المقدار من الكلام لا يسمى 26 خطبة؛ لأنه لا يقال لمن حمد الله على الطعام: هو خطيب، ولا يقال للحارس إذا ذكر الله - سبحانه وتعالى - هو خطيب، ولا لمن سمى الله على وضوئه: هو خطيب، ولأنه لو كان ذلك المقدار خطبة، لكان الناس كلهم خطباء؛ لأن أحدًا لا يعجز عن إتيان كلمة فيها ذكر الله تعالى، وإذا لم تسم هذه الخطبة، لم تصح الجمعة؛ لأن صحتها تقف على شرائط، منها: الخطبة، ولأنه ذكرٌ يتقدم صلاة مفروضة، فوجب أن يتنوع أنواعًا؛ دليله: الأذان، ولا يلزم عليه قوله: الصلاة جامعة، من صلاة العيد؛ لقولنا: صلاة مفروضة، وتلك غير مفروضة.
فإن قيل: بعلَّته، فنقول: فلم يكن من شرطه قراءة القرآن، والوصية بتقوى الله، والأذان.
قيل له: ليس إذا اختلفا في صفة النوع يجب أن يختلفا في أصل
الجزء: 3 - الصفحة: 208
النوع؛ بدليل: الخطبة المسنونة يخالف الإمام في صفة النوع، ويوافقه في أصل النوع، وعلى أن الأذان القصدُ منه: الدعاء إلى الصلاة، فلهذا لم يشرط فيه القرآن، والوصية، والخطبةُ القصدُ منها: الوصية، فاعتبرت فيه.
واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9]، والذكر الذي يلي النداء هو: الخطبة، والظاهر يقتضي جواز أيِّ ذكر كان.
والجواب: أن الذكر الذي أمرهم بالسعي إليه، هو الذي يأتي به النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأجمعوا على أنه لم يقتصر على تسبيحة واحدة، وفعلُه - عليه السلام - خرج مخرج البيان للواجب، وبيانُ الواجب واجب.
واحتج: بما رُوِيَ: أن عمارًا - رضي الله عنه - خطب فأوجز، فقيل له: ما تنفست؟ فقال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإقصار الخطبة، وإطالة الصلاة 27، وهذا يبقي ما اعتبره مخالفنا شرطًا في الخطبة.
والجواب: أن الصحيح من حديث عمار - رضي الله عنه -: ما رواه أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي وائل قال: خطبنا عمار بن ياسر، فأبلغ وأوجز، فلما نزل، قلنا: يا أبا اليقظان! لقد أبلغتَ وأوجزتَ، فلو كنت تنفستَ؟ فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن طولَ صلاة الرجل، وقِصَر
الجزء: 3 - الصفحة: 209
خطبته مَئِنَّةٌ من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة؛ فإن من البيان.
سحرًا" 28، وإذا كان هذا أصل الحديث، فلا حجة فيه؛ لأنه أمر بإقصار الخطبة، وقول: سبحان الله ليس بخطبة، وكذلك: باسم الله، ولا إله إلا الله، وإنما إقصار الخطبة أن يوجزه، فيأتي بما يقع عليه اسم الخطبة.
واحتج: أن عثمان - رضي الله عنه - صعد المنبر، فأُرْتِج عليه 29، وقال: إنكم إلى إمام فعّال أحوجُ منكم إلى إمام قوّال، وإن أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - كانا يعدان لهذا المقام مقالًا، وأنا أستغفر الله العظيم لي ولكم، ونزل، وصلى بالناس 30، وكان يحضره الناس من الصحابة من غير نكير من أحد منهم.
والجواب: أنه قد قيل: إنه كان في خطبة البيعة؛ لأنها اتفقت بغتةً، وخطبةُ الجمعة لا تكون إلا بعد التمكن من إعداد المقال لها، ولأنه يحتمل أن يكون أرتج عليه في إتيانها، واقتصر على ما تقدم.
واحتج: بأن هذا القدر من الكلام يسمى خطبة؛ بدلالة: ما رُوي أن رجلًا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله! علمني عملًا يُدخلني
الجزء: 3 - الصفحة: 210
الجنة، فقال: "لئن أقصرت 31 الخطبة، لقد أعرضت المسألة" 32. ورُوي: أن رجلًا قال بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم -: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما، فقد غوى، فقال: "بئسَ الخطيبُ أنتَ" 33، فسماه خطيبًا بهذا القدر من الكلام، فدل على أن قول: لا إله إلا الله، وسبحان الله، ونحو ذلك يسمى: خطبة 34. والجواب: أن قوله: علِّمني عملًا يدخلني الله به الجنة، لا يسمى خطبة بالإجماع، وإنما هو سؤال سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعلمه، ومن قال: علمني كذا، لا يسمَّى: خاطبًا، ولا يسمَّى قوله هذا: خطبة، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون هذا تصحيفًا منهم، ويكون ذلك خِطبة - بكسر الخاء - من قولهم: خطب خِطبة: إذا طلب، وكذلك قوله: من يطع الله ورسوله، فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، لا يسمى خطبة؛ لأنه 35، ولأنه رُوي في هذا الخبر: أن رجلين أتيا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فخطب
الجزء: 3 - الصفحة: 211
أحدهما، فقال: من يطع الله ورسوله، فقد رشد، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - ما قال، فسماه خطيبًا؛ لأنه أراد أن يشرع في الخطبة، وعلى أنه يحتمل أن يكون سماه [خطيبًا] مجازًا.
واحتج: بأن القصد من الخطبة: ذكرُ الله تعالى على وجه التعظيم له؛ بدلالة: أنه لو أطلق الكلام، ولم يذكر الله، لم يجزئه من الخطبة، وإذا كان كذلك، فقد أتى بذكر الله تعالى على وجه التعظيم له، فوجب أن يجزئه؛ كما لو أتى بخطبة طويلة.
والجواب: أنه يبطل به إذا 36 بالله، واللهمَّ اغفرْ لي، ثم المعنى في الأصل: أنه إذا أتى بما يسمى خطبة، وليس كذلك ها هنا؛ لأن الاسم غير موجود من الوجه الذي ذكرنا، فلم تصح جمعته.
واحتج: بأنه ذكرٌ شُرط في صحة الصلاة، فأجزأ فيه ما يقع عليه الاسم؛ كالتكبير.
والجواب: أن هذا لا يصح في الأصل، ولا في الفرع، على الأصلين جميعًا؛ لأن عندنا: إذا دخل في الصلاة بغير لفظ التكبير، لم يصح، وعندهم: إذا دخل بغير لفظ يقتضي التعظيم، لم يصح، وفي الفرع أيضًا: إذا لم يأت عندهم بلفظ يقتضي التعظيم، لم يصح، فامتنع من هذا أن يجري ما يقع عليه الاسم، وعلى أن التكبير يستفتح به الصلاة، فاعتبر فيه التخفيف، وهذا ذكرٌ يتقدم صلاة مفروضة، فتنوع أنواعًا؛ دليله: الأذان.
الجزء: 3 - الصفحة: 212