مَسْألَة: صلاة الكسوف ركعتان يركع في كل ركعة ركوعين:
نص على هذا في رواية ابن القاسم، وسندي الخواتيمي 1، والفضل بن عبد الصمد، وبكر بن محمد عن أبيه، وإسحاق بن إبراهيم، وصالح، والفضل بن زياد، والمروذي، وهو قول مالك، والشافعي - رضي الله عنهم -.
وروى شيخنا أبو عبد الله في كتابه، وأبو بكر عبد العزيز عن إسماعيل بن سعيد عن أحمد رحمه الله أنه قال: يصلي في كسوف الشمس، والقمر، والزلزلة في جماعة ثمان ركعات، وأربع سجدات، ومعناه: يصلي ركعتين في كل ركعة أربع ركوعات.
قال أبو بكر: ما رواه إسماعيل عنه لو فعله فاعل لم يكن عليه جناح، والاختيار حديث عائشة، وابن عباس - رضي الله عنهم -.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: صلاة الكسوف كهيئة صلاتنا، ثم الدعاء حتى تنجلي.
الجزء: 4 - الصفحة: 99
دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن عطاء عن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال: خسفت الشمس فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس معه، فقام قيامًا طويلًا قال: نحو سورة البقرة قال: ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع رأسه فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم انصرف وقد تجلت الشمس فقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله - عز وجل -".
وروى أيضًا في لفظ آخر بإسناده عن كثير بن عباس عن ابن عباس - رضي الله عنهم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ركع أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات.
وروى أيضًا بإسناده عن طاووس عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كسوف الشمس ثماني ركعات وأربع سجدات.
وروى أيضًا بإسناده عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: انكسفت الشمس في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - فقام فأطال القيام، حتى قيل: لا يركع من طول قيامه، ثم ركع فأطال الركوع، حتى قيل: لا يرفع من طول ركوعه، ثم انتصب قائمًا فقام كنحو قيامه الأول أو أدنى شيئًا، ثم ركع كنحو ركوعه الأول أو أدنى شيئًا، ثم انتصب فسجد، ثم قام في الركعة الأخرى، ففعل مثل ذلك، ثم أقبل على الناس فقال: "أيها الناس إن كسوف الشمس
الجزء: 4 - الصفحة: 100
والقمر ليس لموت أحد ولا حياته، ولكنهما آيتان من آيات الله - عز وجل -، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة".
وروى أيضًا بإسناده عن عروة عن عائشة - رضي الله عنهما - قالت: خسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكبر وكبر الناس ثم جهر بالقراءة وأطال ثم ركع فأطال الركوع ثم رفع رأسه فقال: "سمع الله لمن حمده" ثم رفع رأسه ففتح بالقراءة فأطال ثم ركع فأطال الركوع ثم سجد ثم قام ثم فعل في الثانية مثل ذلك ثم قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا فعل ذلك فافزعوا للصلاة".
وفي لفظ آخر رواه بإسناده عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى في كسوف الشمس أربع ركعات وأربع سجدات فقرأ في الأولى بالعنكبوت وفي الثانية بلقمان.
وروى بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهم - قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنودي بالصلاة جامعة، فركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين في سجدة ثم قام فركع ركعتين في سجدة ثم جُلَّي عن الشمس.
وهذه الأخبار نصوص في المسألة.
فإن قيل: هذه أخبار آحاد وهي مخالفة للأصول، فلا يجب العمل بها.
قيل: ليست مخالفة للأصول؛ لأن الأصول هي: الكتاب، والسنة المتواترة، وإجماع الأمة، وليس معنا واحد من ذلك يمنع صحة هذه
الجزء: 4 - الصفحة: 101
الصلاة، وإنما هي مخالفة لقياس الأصول، وهذا جائز، ويجب تقديمها على القياس، كما قدم أبو حنيفة رحمه الله من أكل ناسيًا في صومه لا يفطر، والقياس: أنه يفطر، إلا أنه ترك القياس لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - استحسانًا، وترك الوضوء بنبيذ التمر على قياس الأصول، كذلك ها هنا.
فإن قيل: فقد روي في حديث جابر - رضي الله عنه - في كل ركعة ثلاث ركعات، رواه أبو بكر النجاد.
وفي حديث علي - رضي الله عنه - في كل ركعة أربع ركعات، رواه النجاد.
وفي حديث أبيِّ بن كعب - رضي الله عنه - قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى بهم فقرأ سورة من الطوال وركع خمس ركعات وسجد سجدتين وجلس كما هو مستقبل القبلة يدعو، رواه أيضًا النجاد.
وقد ثبت أنه لا يركع في ركعة ثلاث ركعات ولا أربع ولا خمس ركعات، كذلك لا يركع ركوعين.
قيل له: إذا لم يركع ثلاثًا وخمسًا، يجب أن لا يركع ركوعين، وقد علمنا أن ما زاد على الركوعين قد قام الدليل عليه، فأخرجناه، فيجب أن يبقى ما عداه على موجب الخبر، وعلى أنا نقول: جميع ذلك جائز، وإنما نقول: الأولى أن يركع في كل ركعة ركوعين، كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الخوف أخبار مختلفة على حسب الحال وكلها جائزة وإنما بعضها أولى من بعض، وإنما كان مذهبنا إليه أولى لأنه أصح سندًا من غيره.
الجزء: 4 - الصفحة: 102
قال أحمد رحمه الله في رواية حبيش بن سندي وقد ذكر له صلاة الكسوف فقال: أصحها حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، وحديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، والزهري عن عروة عن عائشة - رضي الله عنهم -، وإليه أذهب، فقيل له: روي عن جابر، وزعموا أنه أصح شيء في الباب؟ فقال: هذا أو هذا حديث منها.
ولأن ما ذهبنا إليه عملت عليه الصحابة رضي الله عنهم أجمعين بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -:
فروى النجاد بإسناده عن أبي شريح الخزاعي - رضي الله عنه - قال: كسفت الشمس في عهد عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وبالمدينة عبد الله بن مسعود قال: فخرج عثمان - رضي الله عنهما - فصلى بالناس تلك الصلاة ركعتين وسجدتين في كل ركعة ثم انصرف عثمان.
وروى أبو بكر الخلال في كتاب العلل بإسناده عن أبي أيوب الهجري قال: انكسفت الشمس على عهد ابن عباس - رضي الله عنهما - بالبصرة وهو أمير عليها، فقام فصلى فقرأ فأطال القراءة، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع فأطال القيام، ثم سجد، ثم قام ففعل في الثانية مثل ذلك.
وهذا يدل على أن الأفضل ما ذهبنا إليه، وأن حكمه باق ولم ينسخ.
والقياس: أن الصلاة على ضربين: فرض ونفل، ثم ثبت أن من الفرائض ما يختص بزيادة معنى وهو صلاة العيد عندنا، وعندهم أنها فرض وقد اختصت بزيادة التكبير، وصلاة الجنازة أيضًا، كذلك جاز أن
الجزء: 4 - الصفحة: 103
يكون من النوافل ما يختص بزيادة معنى يباين به سائر النوافل، وليس في النوافل ما تباين به إلا مسألتنا.
واحتج المخالف: بما روى علي، والنعمان بن بشير، وعبد الله بن عمرو، وسمرة بن جندب، وأبو بكرة، والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم أجمعين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في كسوف الشمس ركعتين كهيئة صلاتنا وهيئة صلاتنا المعهودة في كل ركعة ركوع واحد.
وروى عبد الله قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتمو ذلك فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة.
وظاهره يقتضي أن يكون كهيئة صلاتنا المعهودة.
والجواب: أن قوله: كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة، مطرح بالإجماع؛ لأن أحدًا لا يعتبر صلاة الكسوف بصلاة الفريضة، وعلى أنا نعارض ما رواه بأخبارنا، وهي أولى من وجوه:
أحدهما: أن الصحابة - رضي الله عنهم - عملت بها بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد روينا عن عثمان، وابن عباس - رضي الله عنهم -، وما عملت عليه الصحابة فهو أولى.
والثاني: أنها أصح سندًا؛ لأنا قد حكينا قول أحمد رحمه الله أنه قال: أصحها حديث ابن عباس، وعائشة - رضي الله عنهم -، وما صحت روايته كان أولى من غيره.
والثالث: أن أخبارنا فيها زيادة، والأخذ بالزيادة أولى.
الجزء: 4 - الصفحة: 104
وجواب آخر: وهو أنا نحمل أخبارهم على أنه فعل ذلك ليبين الجواز، وأخبارنا لبيان الفضيلة والمسنون، ويحتمل أن يكون صلى على تلك الصلاة لاختلاف الحال، وهو أنه افتتحها فانجلت الشمس فخفف، وافتتحها فلم تنجل فأطال على ما تقدم في خبرنا، فيكون فيه جمع بين الأخبار.
فإن قيل: فنحن نستعمل أخباركم على معنى أن الراوي كان بعيدًا من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما أطال الركوع ظن الناس أنه قد رفع فرفعوا فرآهم الراوي فظن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد رفع، ثم لما لم يرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - عاد القوم إلى الركوع فظن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ركع ثانيًا فنقل على هذا الوجه.
قيل له: هذا لا يصح لوجهين:
أحدهما: أن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الكسوف، وهكذا رواه النجاد، ومن كان خلفه لا يفوت عليه هذا.
والثاني: أن الراوي إذا أضاف الفعل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - كان الظاهر أنه تحقق ذلك وعرفه، فلا يجوز حمله على الخطأ في ذلك، وعلى أن هذا إن كان قد وقع في الركعة الأولى فلا يجوز أن يقع مثله في الثانية، وقد فعل ما ذكرنا في الركعتين جميعًا.
فإن قيل: فأخبارنا أولى من وجوه:
أحدها: أن أخبارنا متفق على استعمالها وخبركم مختلف في استعماله، والمتفق على استعماله أولى من المختلف فيه.
الجزء: 4 - الصفحة: 105
والثاني: أن أخبارنا تشهد الأصول لها وهي سائر الصلوات، وأخباركم تخالف الأصول.
والثالث: أن قوله: "كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة" قول، وما رأيتموه حكاية فعل، والفعل لا يعارض القول.
قيل: أما قولك: إنها متفق على استعماله، فلا نسلم لك هذا؛ لأن عندنا أنه متى صلى ركعتين كسائر الصلوات على ظاهر الأخبار التي يرويها فقد خالف السنة، وكان تاركًا لها، فلا نسلم الاتفاق.
أما قولهم: بأن أخبارنا تشهد لها الأصول، وهي سائر الصلوات، فقد بينا أن الصلوات في ذلك منقسمة، وأن صلاة العيد تشهد لقولنا.
وأما قولكم: إن أخبارنا قول، وهو قوله: "فإذا رأيتم ذلك فصلوا كأحدث صلاة" فقد بينا أن هذا اللفظ مطرح بالإجماع، وعلى أن في خبر ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الكسوف فوصف مثل مذهبنا قال: ثم أقبل على الناس فقال: "إن كسوف الشمس والقمر ليس لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة"، وهذا أمر وظاهره ينصرف إلى الصلاة المعهودة التي فعلها.
واحتج: بأنها صلاة من الصلوات فوجب أن لا يكون في ركعة منها ركوعان، دليله: سائر الصلوات.
والجواب: أن هذا قياس يعارض النص، فلم يصح الاحتجاج به،
الجزء: 4 - الصفحة: 106
وعلى أنا قد بينا أن الصلوات منقسمة منها ما يختص بمعنى يباين سائر الصلوات وهو العيد، كذلك جاز أن يكون من جنس النوافل ما يختص بمعنى يباين سائر النوافل، والله أعلم.
28 -