مَسْألَة: لا يجوز للمسلم غسل قريبه الكافر ودفنه:
نص على ذلك في رواية ابن مشيش في الرجل يموت له قرابة يهودي أو نصراني، وله عنده أيادٍ: لا يغسله المسلم.
وكذلك نقل أبو طالب في الرجل يموت وهو يهودي وله ولد مسلم: يركب دابته، ويسير أمام الجنازة، ولا يكون خلفه، فإذا أرادوا أن يدفنوه رجع مثل قول عمر.
وروى حنبل عنه في الرجل المسلم: إذا كان له أب أو أخ أو قرابة قريبة فوليه فلا بأس، واحتج بحديث علي - رضي الله عنه -، قيل له: فترى أن يغسل هو؟ قال: لا يغسل إنما يكون معهم حتى إذا ذهبوا به تركهم معه يلونه.
قال أبو حفص العكبري: لا بأس أن يغسل أباه، وأخاه، ويتبع جنازته، على ما رواه الجماعة، قال: ولعل ما رواه ابن مشيش قول قديم
الجزء: 4 - الصفحة: 180
أو يكون قرابة بعيدة، وإنما يؤمر إذا كانت قرابة مثل ما روى حنبل.
والمذهب: أنه لا يجوز ذلك على ما روينا عنه، وما رواه حنبل عنه لا يدل على الجواز؛ لأنه قال: يحضر ولا يغسل.
وبهذا قال مالك رحمه الله.
وقال الشافعي رحمه الله: يجوز ذلك.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وهذا عام في كل شيء إلا ما خصه الدليل.
وروى أبو بكر الخلال في كتاب العلل بإسناده عن كعب بن مالك عن أبيه قال: جاء ثابت بن قيس بن شماس - رضي الله عنه - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أمه قد توفيت وهي نصرانية وهو يحب أن يحضرها، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اركب دابتك وسر أمامها فإنك إذا ركبت دابتك وسرت أمامها فلست معها"، فوجه الدلالة: أنه قال: "اركب دابتك وسر أمامها" فلو كان اتباعها جائزًا لما أمره بالتقدم عليها، ويخبره أنه ليس معها.
ولأنه لم يصل عليه فلم يغسل، دليله: الشهيد، والجنين إذا لم يبلغ أربعة أشهر.
ولأن الغسل طهارة للمسلم وتعظيم له، وهذا المعنى معدوم في حق الكافر، ولهذا لم يصل عليه.
واحتج المخالف: بما روى أبو بكر بإسناده عن محمد بن إسحاق
الجزء: 4 - الصفحة: 181
عن ناجية بن كعب 1 عن علي - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يغسل أبا طالب ويدفنه.
والجواب: أن هذا الحديث ضعيف يرويه ناجية [ ... ] 2، وعلى أن المشهور من هذا الخبر ما رواه أبو داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: اذهب فواره، ولم يذكر فيه الغسل، وعلى أنه محمول على الوقت التي كانت الصلاة عليهم جائزة، إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾، وهذا هو الظاهر؛ لأنه نزل ذلك بالمدينة، وأبو طالب مات بمكة.
واحتج: بما روى أبو بكر الخلال بإسناده عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: عارض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جنازة أبي طالب وقال: "وصلتك رحم وجزيت خيرًا يا عم".
والجواب: أن أبا بكر المروذي قال: ألقيت على أبي عبد الله رحمه الله حديثًا رواه الفضل بن موسى عن إبراهيم بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: عارض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جنازة أبي طالب، فقال: هذا منكر، هذا رجل مجهول.
وعلى أنه لو صح فتأويله ما تقدم.
الجزء: 4 - الصفحة: 182
واحتج: بما روى سعيد بن جبير: أن رجلًا سأل ابن عباس - رضي الله عنهم - عن أم ولد له نصرانية ماتت، فقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: اتبعها وادفنها ولا تصل عليها.
وروى إسحاق بن الحارث قال: ماتت أم الحارث بن أبي ربيعة وهي نصرانية فشهدها الفقهاء، وغيرهم.
والجواب: أن هذا يعارضه ما روى إسرائيل قال: سمعت ابن عمر - رضي الله عنهما - وسأله الحارث بن أبي ربيعة: عن أم له نصرانية ماتت؟ فقال: تأمر بأمرك، وتسير أمامها 3، فإن الذي يسير أمامها ليس معها، ولا تصل عليها.
وهذا يدل على منع الاتباع.
واحتج: بأن غسله تنظيف، ويجوز للمسلم أن ينظف المشرك، وتكفينه ستره، ويجوز له ذلك، ودفنه موارته لئلا يذهب ويهلك ونحو ذلك.
والجواب: أن الغسل في حال الحياة لا يراد لأجل عبادة، وبعد الموت يراد لأجل الصلاة، والكافر لا يصلى عليه، ألا ترى أنه لا يجوز الصلاة على الميت قبل الغسل؟ !
فإن قيل: هذا يدل على أنه يجب غسله، ونحن نقول: لا يجب، وخلافنا في جواز الغسل.
الجزء: 4 - الصفحة: 183
قيل: إذا كان معناه التطهير والتعظيم للميت لم يجز فعله في الكافر كالصلاة عليه، وفارق غسله وحياته؛ لأنه لا يقصد به ذلك، والله أعلم.
51 -