مَسْألَة: لا يجوز أن يأتم القادر على الركوع والسجود بالمومئ بحال، سواءٌ كان إمامَ الحيِّ، أو غيرَه
نص على هذا في رواية الميموني 3، فقال: إذا صلى بهم من أول الصلاة جالسًا، صلَّوا جلوسًا، قيل له: فإن أومأ يومئون؟ قال: لا، ليس له معنى.
وكذلك قال في رواية بكر بن محمد عن أبيه 4 عنه: في المقيَّدِ يؤم المُطْلَقين إذا أمكنه الركوع.
وفي رواية أبي الحارث (3)، وصالح 5، وإبراهيم (3)، ويعقوب (3): إن أمكنه التورك.
فقد اعتبر القدرة على الركوع والسجود، وهو قول أبي
الجزء: 2 - الصفحة: 290
حنيفة 6، ومالك 7، والشافعي 8 - رضي الله عنه -: تجوز إمامة المومئ بمن يقدر على الركوع والسجود.
دليلنا: ما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "إنما جُعل الإمام ليؤتَمَّ به، فلا تختلفوا عليه" 9، وإذا كان المأموم يركع ويسجد، والإمام لا يركع ولا يسجد، فهو اختلاف عليه، فوجب بحق الظاهر أن لا تصح متابعته.
وأيضًا ما تقدم 10 من حديث الشعبي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يؤمن أحدٌ بعدي قاعدًا"، أو: "لا يؤم الرجل جالسًا"، وإذا نهى عن إمامة القاعد، كان فيه تنبيه على المومئ؛ لأنه أضعف حالًا من الجالس.
والقياس: أن الركوع والسجود ركنان 11 من أركان الصلاة، فجاز أن يُمنع القادرُ عليه من الائتمام بالعاجز عنه؛ دليله: القراءة، وله على
الجزء: 2 - الصفحة: 291
هذه العلة اعتراضات، وقد أجبنا عنها في المسألة التي قبلها، وإذا 12 أحرم بصلاة لا ركوع فيها ولا سجود، فلا يجوز أن يكون إمامًا لمن يصلي بركوع وسجود؛ دليله: إذا أحرم بصلاة الجنازة، والمربوط على خشبة، فإنه لا يصح أن يكون إمامًا لمن يقدر على الركوع، كذلك ها هنا، وإن شئت قلت: صلاة ليس لها ركوع وسجود، فلم يجز بناء صلاة الفرض التي لها ركوع وسجود على تحريمتها؛ دليله: ما ذكرنا.
فإن قيل: المعنى في الأصل، وهو: صلاة الجنازة، والمربوط: أنه ليس فيها ركوع، ولا ما يقوم مقام الركوع، وليس كذلك ها هنا، وإن لم يكن فيها ركوع، فإن فيها ما يقوم مقام الركوع، وهو الإيماء؛ فلهذا فرق 13 بينهما.
قيل له: لا نسلم أن الإيماء يقوم مقام الركوع، ولا بدلٌ عنه، وإنما الإيماء بعض الركوع والسجود، وليس ببدل عنه، ولا يقوم مقامه، ألا ترى أنه من الإيماء يصير إلى الركوع؟ ويأتي الكلام على هذا الفصل.
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - 14: "صلوا خلف من
الجزء: 2 - الصفحة: 292
قال: لا إله إلا الله" 15، وقوله - عليه السلام -: "صلاة الجماعة تفضُل على صلاة الفَذَّ بخمس وعشرين درجة" 16، ولم يفرق.
والجواب: أن هذا كله محمول عليه إذا كان الإمام يركع ويسجد؛ بدليل ما تقدم.
واحتج: بأن هذه حالة يجوز للمريض أن يصلي فيها، فجاز أن يكون إمامًا فيها؛ دليله: الصحيح الذي يقدر على الركوع والسجود، وكل من جاز أن يكون إمامًا لمن يُصلي بالإيماء، جاز أن يكون إمامًا لمن يصلي بالركوع والسجود؛ دليله: الصحيح.
والجواب: أنه ليس إذا جازت صلاته لنفسه، أو جازت بمن هو في عذره، يجب أن تجوز بمن هو أكملُ منه؛ بدليل: الأمي، والمستحاضة، والمومئ، تصح في حقهم، ولا تصح في حق غيرهم ممن ليس مثلهم، وكذلك المرأة تصح صلاتها في حقها، ولا تصح بالرجال، وأما الأصل، فالمعنى فيه: أنه يأتي بالصلاة على كمال أركانها، فجاز أن تصح إمامته، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه لا يأتي بأركانها المقصودة، فهو كالأمي، والمربوط، والمستحاضة.
الجزء: 2 - الصفحة: 293
واحتج: بأن الإيماء قائم مقام الركوع والسجود، وبدل عنه، فإذا صح الاقتداء به في الركوع والسجود، صح فيما قام مقامه؛ كالمتيمم يؤم المتوضئين؛ لأن التيمم يقوم مقام الوضوء.
والجواب: أنا لا نسلِّم أن الإيماء قائم مقام الركوع والسجود، ولا بدلٌ عنه، وإنما هو بعضُه من الوجه الذي ذكرنا، وهو: أنه من الإيماء يصير إلى الركوع، وليس كذلك التيمم؛ لأنه بدلٌ عن الوضوء، فصار كالغاسل يقتدي بالماسح على الخفين.
فإن قيل: فإذا كان بعض الشيء يقوم مقام الشيء، فبعض الشيء أولى.
قيل له: ولم قلت هذا، وقد وجدنا في الأصول بعض الشيء لا يقوم مقام جميعه، وبدله يقوم مقامه، ألا ترى أن كسوة خمسة 17 مساكين لا تقوم مقام كسوة عشرة مساكين، وصوم ثلاثة أيام يقوم مقام كسوة العشرة أو إطعامهم؛ لأنه بدل عن الإطعام أو الكسوة؟ كذلك الإيماء إذا كان بعض الركوع لا يجب أن يقوم مقام الركوع.
فإن قيل: أليس قد قام مقام الركوع والسجود في صحة صلاة المومئ، فلِمَ لا يقوم مقامها في صحة صلاة المأموم خلفه؟
قيل له: لا نقول: إن الإيماء قام مقام الركوع والسجود في صحة صلاة المومئ، وإنما نقول: إن صلاة المومئ صحيحة بغير ركوع
الجزء: 2 - الصفحة: 294
وسجود، كما نقول: إن صلاة الأمّي صحيحة بغير قراءة، ولا يجب - من حيث قلنا: إن صلاة المومئ صحيحة - أن نقول: صلاة المأموم إذا كان يركع ويسجد صحيحة، كما لم يجب من حيث قلنا: إن صلاة القارئ خلفه صحيحة، وكذلك صلاة المرأة صحيحة، ولا يجب أن يكون صلاة الرجل خلفها صحيحة.
فإن قيل: فالدليل على أن الإيماء يقوم مقام الركوع: أنه يقوم مقامه في محل الذكر الذي فيه، فيقول: سبحان ربي العظيم، وسبحان ربي الأعلى، والمدرك للإيماء في موضع الركوع مدرك للركعة، ومن فاته الإيماء، فاتته الركعة، ولأنه لو كان جزءًا من الأصل، وإنما سقط عنه ما عجز عنه، لوجب أن يكون الإيماء بالركوع والسجود سواء 18؛ لأنه يجب لكل واحد منهما أن يأتي بما يقدر عليه إلى أن يستوفيه، ولما أجمعنا على أنه يجعل السجود أخفض من الركوع، دل على أن الأدنى أقيم مقام السجود، والأعلى أقيم مقام الركوع.
قيل له: إنما قام مقامه في محل الذكر، وفي إدراك الركعة بإدراك الإيماء، وفي أنه يختلف مقدار الإيماء؛ للمعنى الذي ذكرنا، وهو أنه بعض الركوع، فلهذا كان محل حكمه في محل الذكر، والإدراك، ونحوه، وهذا هو الدليل على أنه بعضٌ منه؛ لأنه وافقه في أحكامه، ولو كان بدلًا عنه، لخالفه في بعضها؛ كما خالف التيمم الماء.
فإن قيل: فإذا قام مقامه في هذه الأحكام، يجب أن يقوم مقامه
الجزء: 2 - الصفحة: 295
في صحة الاقتداء.
قيل له: ولم كان ذلك، وبعضُ الفاتحة يقوم مقام جميعها في إسقاط الفرض، وغيره من الأحكام، ولا يقوم مقام جميعها في الاقتداء؟
وجواب آخر: عن أصل الدليل، وهو: أن الطهارة لا يقع فيها الاشتراك حتى يعتبر فيها المساواة، والأركان يعتبر فيها الاشتراك، ألا ترى أنه لو انفرد المأموم بالركوع قبل إمامه، لم يجز؛ لعدم متابعته له؟
فإن قيل: هلا قلتم: يجوز لإمام الحي أن يؤتم به، كما جاز إذا كان عاجزًا عن القيام.
قيل: القياس يقتضي في العاجز عن القيام أن لا يؤم، لكن تركناه؛ للخبر، ولا خبر في المومئ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
95 -