مَسْألَة: إذا جبر بعظم نجس، فانجبر، ونبت عليه اللحم، لم يخرج منه:
قياس المذهب 1؛ لأن أحمد - رحمه الله - قد قال: إذا كان يستضر باستعمال الماء خوفَ الزيادة في المرض والتباطُؤ في البرء، جاز التيمم 2، وبه قال أبو حنيفة - رحمه الله - 3.
قال أبو بكر في كتاب: الصلاة من "الشافي": يُجبر على إخراجه منه ما لم يخف التلفَ 4، وقد أومأ أحمد في رواية ابن إبراهيم: إذا وقع ضرسه، فأعاده، ثم انقلع، يعيد الصلاة 5.
فلولا أنه كان يلزمه قلعه، لم يأمره بالإعادة.
وقال الشافعي - رحمه الله -: إن لم يخش من قلعه التلف، لزمه قلعُه، فإن امتنع منه، أجبره السلطان عليه، فإن مات قبل، لم يجب قلعه؛ لأن جميعه صار ميتًا، والله حسيبهُ فيما صلى من الصلوات مع النجاسة،
الجزء: 2 - الصفحة: 31
وإن خيف من قلعه التلف، فقد اختلف أصحابه، فمنهم قال: لا يقلع؛ لأن حكم النجاسة سقط لأجل الضرورة، كما نقول في دم الاستحاضة، وسلسِ البول، ودمِ البراغيث، ومنهم من قال: يُقلع، وإن مات، فالحق قتله؛ كمن 6 يشرب الخمر، فيقام عليه الحد، فإن مات، فالحق قتله 7.
دليلنا: أنه يستضر بقلعه، فلم يلزمه؛ كما لو خاف التلف، ولهم على هذا الأصل كلام مذكور في مسألة الطهارة: إذا خاف الزيادة في المرض، هل يجوز له التيمم؟
ولأن النجاسة إذا كانت في باطن البدن، فإنه لا يجب إخراجها، أصله: الدم في العروق.
فإن قيل: العروق لا تنقل 8 عن الدم، فيسقط حكمه، ولا يجب إخراجه منها للضرورة.
وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه لا ضرورة به إلى ترك العظم النجس في بدنه.
قيل له: إذا انجبر ساقه، ونبت عليه اللحم، كان ضرورة إلى تركه؛ لأن في إخراجه ضررًا، أو في خوف التلف، ولأنها نجاسة حصلت في باطن بدنه، فلا يجب إخراجها، أصله: إذا شرب خمرًا، أو أكل ميتة؛
الجزء: 2 - الصفحة: 32
لأنه لا يجب عليه أن يستقيء حتى تخرج النجاسة.
فإن قيل: من أصحابنا من قال: يلزمه أن يستقيء، كما رُوي عن أبي بكر - رضي الله عنه -: أنه شرب لبنًا، فقيل له: من نَعَم الصدقة، فاستقاء 9.
قيل: هذا قول لم يقل به أحد من الأئمة، وما روي عن أبي بكر - رضي الله عنه - لا يدل على أنه كان يراه واجبًا.
فإن قيل: المعدة معدن النجاسات، وإذا حصلت فيها، لم يجب إخراجها، وليس كذلك سائر البدن.
قيل له: المعدة ليست معدنا لإيصال النجاسات إليها؛ لاتفاقهم على أنه لا يجوز شرب الخمر، ولا أكل الميتة، وإنما يوصل إليها الأشياء الطاهرة، ثم تتغير فيها، وتستحيل نجاسة، ومع هذا، إذا حصلت فيها نجاسة من خارج، لم يجب إخراجها، كذلك في مسألتنا.
فإن قيل: إذا جاز أن يتغير الشيء فيها، فيستحيل نجاسة، ولا يجب إخراجها، جاز أن يحصل فيها نجاسة من خارج، ولا يجب إخراجها،
الجزء: 2 - الصفحة: 33
ليس كذلك ما تنازعنا فيه.
قيل له: فرق بينهما؛ لأنه قد توجد النجاسة في الموضع الذي يحصل فيه العظم النجس، فلا يجب إخراجها؛ كالدم ونحوه، فيجب لهذا المعنى إذا حصلت فيه نجاسة من خارج أن لا يجب إخراجها.
وأيضًا: لو خاط جرحه بخيط غصب، وكان يستضر بقلعه، لم يُجبر على ذلك، كذلك إذا جبره 10 بنجس.
فإن قيل: الخيط له بدل يرجع إليه، وهو القيمة، وهذه النجاسة لا بدل لها ينتقل لها.
قيل له: دم الاستحاضة لا بدل له، ويعيد، وعلى أنه لا يمتنع أن نقول: يتيمم، كذلك لغيره من النجاسات، وعلى أنه لو غصب ساجة 11، وبنى عليها، أُجبر على إزالتها، وإن كان لها بدل.
واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: 5]، والعظم نجس رجز، فوجب هجرانه.
والجواب: أن هذا مخصوص؛ بدلالة ما قدمنا.
واحتج: بأنه أوصل النجاسة إلى موضع لا يحيلها، فوجب أن يلزمه قلعها عند عدم الضرورة؛ قياسًا على ما ذكرنا.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أن النجاسة لم تحصل في باطن
الجزء: 2 - الصفحة: 34
البدن، وإنما حصلت في ظاهره، والنجاسة إذا كانت في ظاهر البدن، فإنه يجب إزالتها، وإذا كانت في باطنه، لم يجب؛ بدلالة سائر النجاسات، والله أعلم.
62 -