مَسْألَة: ويستحب أن يقرأ في الركعة الأولى من صلاة الجمعة بفاتحة الكتاب، وسورة الجمعة، وفي الثانية بفاتحة الكتاب، والمنافقين:
نص عليه في رواية حنبل 1، فقال: يقرأ يوم الجمعة بسورة الجمعة، و ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: 1].
وهو قول الشافعي - رضي الله عنه - 2.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: ليس في صلاة الجمعة شيء مؤقت، وله أن يقرأ بفاتحة الكتاب، وما شاء من القرآن 3.
وقال مالك - رحمه الله -: المستحب أن يقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب، وسورة الجمعة، وفي الثانية بفاتحة الكتاب، والغاشية، فإذا قرأ المنافقين، جاز 4.
دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة، ....................
الجزء: 3 - الصفحة: 247
وبسورة المنافقين 5. وروى أيضًا عن عبيد الله بن أبي رافع 6 قال: استخلف مروان أبا هريرة - رضي الله عنه - على المدينة، فخرج 7 إلى مكة، فصلى أبو هريرة الجمعة، فقرأ بسورة الجمعة في السجدة الأولى، وفي الآخرة: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: 1]، قال عبيد الله بن أبي رافع 8: فأدركت أبا هريرة حيث انصرف، فقلت: إنك قرأت بسورتين، كان عليٌّ 9 - رضي الله عنه - يقرأ بهما بالكوفة، فقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بهما 10. وروى أيضًا بإسناده عن أبي عنبة الخولاني 11 - رضي الله عنه - وكان من
الجزء: 3 - الصفحة: 248
أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة، التي يذكر فيها الجمعة، و ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ 12.
وروى أيضًا عن أبي جعفر محمد بن علي - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة، والسورة التي يذكر فيها المنافقون 13.
وهذه الأخبار تدل على أن المستحب ما ذكرنا؛ لأن فيها إخبار [اً] عن دوام الفعل، ولا يُدَاوَمُ على ترك الفضل؛ ولأن في سورة الجمعة ذكرَ الجمعة، والحثَّ عليها، والترغيبَ فيها، وفي ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ التحذيرُ من النفاق، فكان ذلك أولى.
واحتج: بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: 20].
والجواب: أن قراءة الجمعة والمنافقين ما تيسر عليه قراءته، فيجب
الجزء: 3 - الصفحة: 249
بحق الظاهر أن يقرأه؛ ولأنه قد قيل: إن معناه: فصلوا ما تيسر منه، وعبر عن الصلاة بالقراءة؛ كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: 78]، معناه: صلاة الفجر.
واحتج: بما روى سمرة بن جندب - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ يوم الجمعة بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: 1] 14.
وروى النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في العيدين، والجمعة بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ 15.
قالوا: فلما رُوي أنه قرأ ما رويتم، ورُوي أنه قرأ ما روينا، علمنا أنه ليس فيها شيء مؤقت، وأن للإمام أن يقرأ ما شاء.
والجواب: أن ما روينا أولى بالتقديم؛ لأنه عملت عليه الصحابة: علي بن أبي طالب، وأبو هريرة 16، وقد رُوي عن عثمان - رضي الله عنهم -.
الجزء: 3 - الصفحة: 250
روى النجاد عن إبراهيم بن عبد الله بن فروخ (1) عن أبيه (2) قال: صليت مع عثمان - رضي الله عنه - الجمعة، فقرأ بسورة الجمعة، و ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ (3).
واحتج: بأنها صلاة من الصلوات، فله أن يقرأ بعد الفاتحة بما شاء؛ دليله: سائر الصلوات.
والجواب: أنه ليس في سائر الصلوات ما يختص السورة بذكرها، وفي هذه السورة ذكر الجمعة، والحث عليها، والترغيب فيها، والتحذير من النفاق؛ ولأن صلاة الجمعة تختص بالجمعة، وشرائط لا يشاركها غيرها فيها، فجاز أن تختص بسورة من القرآن، والله أعلم.
168 -