مَسْألَة: إذا قتل صبي في المعترك لم يغسل:
وهو [قول] 2 مالك، والشافعي رحمهما الله.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: يغسل.
دليلنا: أنه مسلم قتل ظلمًا لم يذنب ولا وجب عليه غسل في حال حياته، فلم يغسل، دليله: البالغ، ولا يلزم عليه المقتول قصاصًا، وفي الرجم في الزنا، والمقتول على وجه الدفع؛ لأن ذلك القتل بحق.
ولا يلزم عليه إذا تكلم أو أكل أو شرب أو حمل وفيه الحياة ثم مات، لقولنا: لم يرث.
ولا يلزم عليه: إذا قتل جنبًا؛ لأنه وجب عليه الغسل في حال حياته.1
الجزء: 4 - الصفحة: 200
ولا يلزم عليه من قتل ظلمًا في غير معترك المشركين؛ لأنه لا يجب غسله على الصحيح من الروايتين، كما لا يجب إذا قتل في معترك المشركين.
ولأن الصغير في سنن الموتى وفروضها 3 بمنزلة الكبير لا فرق بينهما فيما تساويا في معناه، الدليل عليه غير الشهيد، ثم تثبت أن الشهادة تسقط الغسل عن الكبير جاز أن تسقط عن الصغير، ولا يلزم عليه اختلافهم في الكفن، والدعاء في الصلاة، وفي الغاسل، وأن الصبية قد تنقص في عدد أكفانها عن الكبير، وكذلك ينقص الصغير عن الكبير في الدعاء له في الصلاة، فلا يقال: إن كان محسنًا فجازه وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه، وكذلك يجوز للمرأة أن تغسل الصبي عندهم؛ لأنهم مختلفون في معناه، وذلك أن القصد من الزيادة في الأكفان فضل ستر العورة، وهذا لا يقصد به الصبي، وكذلك النظر إليه، والدعاء له بالمغفرة؛ لأنه لا ذنوب عليه.
ولأن كل غسل لا يجب في البالغ لا يجب في الصبي، دليله: الغسلة الثانية، والثالثة، والغسلة الأولة في غير الشهيد.
فإن قيل: لا يجوز اعتبار الثانية بأوله كما لا يجوز اعتباره في غير الشهيد.
قيل: وقد يتساويان بدليل الكافر إذا قتل في المعترك يستوي حكم
الجزء: 4 - الصفحة: 201
الأولى والثانية في الإسقاط، كذلك ها هنا.
واحتج المخالف: بأن الشهادة تطهير للشهيد من الذنوب، والصبي لا ذنب له فلا يلحقه حكم الشهادة، ويبقى على أصله في وجوب غسله.
والجواب: أنا لا نسلم أن الشهادة تطهير من الذنوب، وإنما الشهادة هو القتل ظلمًا، وهذا معنى موجود في الصغير، وأما غفران الذنوب فإنه من أحكام الشهادة، فإن لم يكن ذنب استغنى عن الغفران ووجبت الجنة له في درجة الشهداء، ومن كان من البالغين منهما لا يغسل، فهذا حكمه وهو إذا بلغ في المعترك ثم قتل عقيب بلوغه فإنه لا ذنب له، ومع هذا فيثبت له حكم الشهادة وإن لم يصادف تطهيرًا.
فإن قيل: يجوز أن يكون قد أذنب ولم يعلم.
قيل له: إذا شاهدناه لم يزل عن موضعه فقتل علم أنه لا ذنب له.
فإن قيل: يجوز أن يكون قد أضمر معصية.
قيل له: نية المعصية واعتقادها معفو عنه ما لم يفعلها، على أن الأصل: عدم الذنب، فكان يجب أن لا يثبت حكم الشهادة؛ لأن سببها غير متحقق.
جواب آخر: وهو أنه لا يمتنع أن يثبت حكم الشهادة بالقتل في حق الصغير، فإن كان معناها التطهير فلا ذنب له كما ثبت إسلامه، وفيه معنى التطهير من الذنوب، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
الجزء: 4 - الصفحة: 202
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الإسلام يجب ما قبله".
وجواب آخر: وهو أن الشهادة تؤثر في الصغير كتأثيرها في الكبير، وهو أن ترفع له الدرجات أكثر من الصغير الذي ليس بشهيد، فيجب أن تؤثر في باب الغسل.
واحتج: بأنه قبل البلوغ يغسل كما لو قتل في غير المعترك.
والجواب: أنه لا يغسل عندنا كما لا يغسل البالغ إذا قتل ظلمًا في غير المعترك، والله سبحانه وتعالى أعلم.
57 -