مَسْألَة: سجود التلاوة سنة مؤكدة، وليس بواجب:
نص عليه في رواية حنبل 1، والأثرم 2، فقال: ما كان في الصلاة، فأحبُّ أن يسجد؛ لأنه أوكَدُ، ومن قرأ، ولم يكن في صلاة، ولم يسجد، فلا بأس.
وبهذا قال الشافعي 3، وداود 4 - رحمهما الله -.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: هو واجب 5.
الجزء: 1 - الصفحة: 274
دليلنا: ما روى أبو داود بإسناده 6 عن عطاء بن يسار 7، عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: قرأت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سورة النجم، فلم يسجد فيها 8.
فلو كانت واجبة، لم يتركها النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يترك أحدًا يَتْركها.
فإن قيل: أراد به: لم يسجد في الحال؛ لأنه معلوم أن زيدًا لم يكن في سائر أوقاته مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يعلم تركه في جميع الأوقات، وعندنا: تركه في الحال وتأخيره 9 إلى وقت آخر.
قيل له: بل طريق إلى معرفة ذلك من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنني لم أسجد، أو دلالة تدل عليه من حالة تضطره إلى معرفته، فيجب حَمْله على إطلاقه، وهذا كما رُوي عن عليّ - رضي الله عنه -: أنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يحجزه عن قراءة القرآن شيء إلا الجنابة 10، ونحن نعلم: أنه لم يكن معه في سائر
الجزء: 1 - الصفحة: 275
أوقاته، ولكن لما كان له طريق إلى العلم به، حملنا قوله على إطلاقه، كذلك زيدٌ له طريق إلى معرفة ذلك، فوجب حملُه على عمومه.
فإن قيل: إنما قال عليٌّ ذلك؛ لأنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن" 11، ولم يثبت عنه في ترك السجود خبر ينتظم جواز تركه في سائر الأوقات، فيجب أن يُحمل قولُ زيد على ما ذكرنا.
قيل له: ذلك لا يدل على حكم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما يدل على حكم أمته، وعلى أن الخبر اقتضى أن الجنب والحائض يُمنعان من القرآن، ولم يبين حكم غيرهما، وعليّ 12 نفى جميع الأشياء، وأثبت الجنابة، وعلى أن زيد بن ثابت أخبر عن نفسه: أنه لم يسجد، كما أخبر عن غيره، وهو = رقم (265)، وابن ماجه في كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة، رقم (594)، ونقل النووي في المجموع (2/ 128): أن الحفاظ على تضعيفه، وينظر: العلل للدارقطني (3/ 248).
الجزء: 1 - الصفحة: 276
يعلم حال نفسه، فلو كان واجبًا، لعلمه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فإن قيل: يحتمل أن يكون قرأها عند طلوع الشمس، أو وقت الزوال، أو الغروب، فلم يسجد فيها.
قيل: لو كان كذلك، لوجب أن ينقل زيد السبب الذي لأجله تركه.
فإن قيل: لا يجب ذلك، ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ولد الزنا شر الثلاثة" 13، وهو وارد على سبب، فنقل الراوي الخبر، وسكت عن نقل السبب، وكذلك حديث أسامة - رضي الله عنه -: "إنما الربا في النسيئة" 14، "ولا ربا إلا في النسيئة" 15، وهذا وارد في الجنسين، فنقل الراوي الخبرَ، وترك السبب.
قيل له: لا يجوز أن يترك نقل السبب؛ لأن إفراده عن سببه إسقاط لوجوبه، وقوله: "ولد الزنا شر الثلاثة" (1)، فلا نقول: إنه وارد على سبب، ولا على رجل بعينه، وإنما هو عام في الجميع، والمراد به: شر الثلاثة نسبًا، فإنه لا نسب له، وأما قوله: "إنما الربا في النسيئة" (2)، فإنه يجوز أن يكون قد خفي عليه السؤال، ولم يسمعه؛ لأنه لا يمتنع أن
الجزء: 1 - الصفحة: 277
يسمع الجواب ولا يسمع السؤال، ويجوز أن يكون منسوخًا، ولم يكن وارد [اً] على سبب.
فإن قيل: يجوز أن يكون قد خفي سببه عليه.
قيل: لو كان كذلك، لسأل رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عنه، وأعلمه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكن له ترك الواجب الذي زال وجوبه لعارض وسبب، ولما لم يبينه لهم، دل على إسقاط وجوبه.
وأيضًا: فإنه إجماع الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين -، روى ابن خزيمة محمد بن إسحاق 16، وأبو بكر بن المنذر 17: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قرأ يوم الجمعة على المنبر، حتى إذا جاء السجدة، قال: أيها الناس! إنما نمر بالسجود، فمن سجد، فقد أجاد وأحسن، ومن لم يسجد، فلا إثم عليه 18.
الجزء: 1 - الصفحة: 278
فوجه الدلالة: أنه قال هذا في يوم الجمعة في وقت الخطبة بمحضر من المهاجرين والأنصار، ولم ينكر عليه أحد، ولا خالفه مخالف، فصار ذلك إجماعًا منهم.
وروى أبو بكر الأثرم بإسناده عن هشام بن عروة 19 عن أبيه 20: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قرأ السجدة وهو على المنبر يوم الجمعة، فنزل فسجد، وسجدوا معه، ثم قرأها من الجمعة الأخرى، فتهيؤوا للسجود، فقال: على رِسْلِكم، إن الله تعالى لم يكتبها علينا إلا أن نشاء، فقرأها ولم يسجد، ومنعهم أن يسجدوا 21.
فإن قيل: يحتمل أن تكون التلاوة منه كانت وقت الزوال.
قيل له: فإن ذلك كان في خطبة الجمعة، وخطبة الجمعة لا تُفعل وقت الزوال.
والقياس: أن السجود ركن في الصلاة، فوجب أن لا يجب منفردًا، أصله: القعود للتشهد الثاني.
فإن قيل: فيجب أن لا يستحب منفردًا؛ كالقعود للتشهد.
الجزء: 1 - الصفحة: 279
قيل له: لا يمتنع أن يُستحب منفردًا، ولا يجب كالقراءة؛ ولأن ما شُرع فعلُه لوجود التلاوة، لم يكن واجبًا؛ قياسًا على سؤال الرحمة إذا قرأ آية الرحمة، والاستعاذة من النار إذا قرأ آية عذاب، فإن ذلك مستحب للتلاوة، وقد رُوي ذلك في حديث 22؛ ولأنها تلاوة، فلم يجب فيها سجود، دليله: إذا تكررت في مجلس، والسجدة الثانية من الحج.
فإن قيل: السجدة الثانية ليست من مواضع السجود.
قيل له: عندنا أنها من مواضع السجود.
فإن قيل: تكرار الزنا لا يوجب تكرار الحد، ولم يمنع ذلك وجوبه في الابتداء، وكذلك الشرب، وكذلك تكرار السهو في الصلاة لا يوجب تكرار سجود السهو، ولم يمنع ذلك وجوبه لأجل السهو، وكذلك تكرار الحدث لا يوجب تكرار الطهارة، ولم يمنع ذلك وجوب الطهارة بالحدث.
قيل له: هذا ما يشبهه ما ذكرنا؛ لأنه لو قرأ وسجد، ثم كرر قراءتها في ذلك المجلس، لم يسجد، ومثله لو زنا فَحُدَّ، ثم زنا في ذلك المجلس حُدَّ، وكذلك الحدث؛ ولأنه لو قرأها في مجلس ولم يسجد، وقرأ في مجلس آخر، وجب عليه القضاء، ولو زنا ولم يُحد، وزنا في وقت آخر، فحَدٌّ واحد، فعلم أن السجود لا يشبه الحدَث، ولا الحدَّ، وأما سجود السهو، فلا يُفعل عقيب سببه، وإنما يؤخر إلى آخر الصلاة ليكون جبرانًا
الجزء: 1 - الصفحة: 280
لما يحصل من السهو، فلهذا لم يكن تداخُله دلالة على نفي الوجوب، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه يفعل عقيب سببه، فلو كان واجبًا، لم يتداخل بتكراره؛ كالسجود في الصلاة المفروضة.
وأيضًا: فإن هذا سجود يجوز فعلُه على الراحلة من غير خوف ولا شرط، فلم يكن واجبًا، دليله: سجود النافلة، وقد ثبت عندهم: أنه لو قرأ على الراحلة السجدة، جاز أن يسجد عليها، ولا يلزم عليه إذا نذر أن يصلي ركعتين على الراحلة أنه يجزئه، ومع هذا فهي واجبة؛ لأنها إنما جاز ذلك بالشرط، ألا ترى أنه لو نذر أن يصلي ركعتين مطلقًا، لم يجز أن يصلي على الراحلة، وفي مسألتنا القراءةُ على الراحلة ليس فيها شرط، فلو كانت واجبة، لم يجز فعلُها على الراحلة.
فإن قيل: إذا تلاها راكبًا، فقد أوجب السجدة على تلك الصفة، ألا ترى أنه لو تلاها على الأرض، لم يجز له أن يؤديها راكبًا؟
قيل له: هذا باطل به لو زالت الشمس وهو على الراحلة، فإن سبب الوجوب قد وجد وهو على الراحلة، ولا يجوز فعلُ الصلاة عليها.
وأيضًا: فإنها لو كانت واجبة، لوجب إذا تلاها في الصلاة، ثم لم يفعلها فيها حتى خرج منها أن لا تسقط، فلما اتفقنا أنه لا يجب عليه فعلها بعد خروجه منها، دل على أنها لم تجب.
فإن قيل: إذا تليت في الصلاة، صارت من سننها، وسنن الصلاة لا تقضى خارج الصلاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 281
قيل له: لا نسلم لك أنها تصير من سنن الصلاة.
فإن قيل: لو لم تصر من سننها، ما جاز فعلُها فيها.
قيل: إنما جاز فعلُها في الصلاة 23؛ لأن سببها عرض في الصلاة.
فإن قيل: سقوطها في الثاني لا يدل على أنها لم تجب عليه، كما أن سقوط فرض الجمعة بخروج الوقت لا يدل على نفي وجوبها في وقتها.
قيل له: إنما سقطت الجمعة؛ لأن الوقت شرط في صحتها، وليس كذلك السجدة؛ لأن الصلاة ليست شرطًا 24 في صحتها؛ لأنها تفعل خارج الصلاة عند التلاوة كما تفعل في الصلاة، فلو كانت واجبة، لوجب قضاؤها خارج الصلاة.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 21]، فذمَّهم على ترك السجود، والذمُّ لا يستحق إلا بترك الواجب.
والجواب: أن الله - عز وجل - ذم الكفار في هذه الآية على تركهم الإيمان، وتركهم لسجود القرآن تكذيبًا، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ [الانشقاق: 22, 23] يعني: بما يجمعون في صدورهم من الكفر والشرك 25، وإذا ترك سجود القرآن على هذا
الجزء: 1 - الصفحة: 282
الوجه، فهو مذموم يستحق الوعيد.
فإن قيل: الكافر لا يستحق الذم على ترك ما ليس بواجب، فلما ذمهم على ترك السجود عند تلاوته، دل على وجوبه.
قيل له: إنما ذمهم على تركه على الوجه الذي ذكرنا، وهو تركهم له تكذيبًا وكفرًا، وذلك يستحق به الذم، وقد قيل: لما أضاف ذلك إلى جميع القرآن، دل على أن المراد به ما ذكرنا.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة: 15]، فجعله من شرائط الإيمان، فدل على وجوبه.
والجواب: أنه من شرائط الإيمان في حق من تركه مستكبرًا جاحدًا، وهكذا نقول.
واحتج بقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58]، ثم قال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: 59]، والظاهر: أن هذا راجع إلى ما تقدم ذكرُه من السجود، فدل على وجوبه؛ لاستحقاق الذم بتركه.
والجواب: أن المراد بقوله تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: 59] يعني: كذبوا بها، هكذا ذكره المفسرون 26، وأنهم اليهود، وإذا تركوا
الجزء: 1 - الصفحة: 283
ذلك على وجه التكذيب، استحقوا الذم، مع أنه قرن السجود بالبكاء، والبكاء غير واجب، كذلك السجود.
واحتج بقوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: 62]، وهذا أمر.
والجواب: أنا نحمله على الندب؛ بدليل: ما ذكرنا.
واحتج: بما روى أبو داود بإسناده 27 عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ سورة النجم، فسجد فيها، وما بقي أحد من القوم إلا سجد، فأخذ رجل من القوم كفًا من حصى أو تراب، فرفعه إلى وجهه، وقال: يكفيني هذا، قال عبد الله: فلقد رأيته بعد هذا قُتل كافرًا 28، وهذا على وجه الذم له عند ترك السجود، والذم لا يستحق إلا بترك الواجب.
والجواب: أنه يحتمل أن يكون ترك السجود مستكبرًا أو جاحدًا، فلهذا ذمه، ولهذا روي: أنه قُتل كافرًا.
واحتج: بأنه يجوز فعلُها في الصلاة في حق تاليها، ولو كانت نفلًا، لم يجز فعلها، ولما جاز فعلُه فيها، دل على وجوبه، دليله: سجدات الصلاة، ولا يلزم عليه سجود السهو؛ لأنه واجب عندنا.
والجواب: أنه إنما جاز في الصلاة لا لوجوبه، لكن لوجود سببه في الصلاة، ألا ترى لو قرأ آية السجدة خارج الصلاة، لم يجز له أن يسجد
الجزء: 1 - الصفحة: 284
في الصلاة، وإن كانت السجدة عندهم؛ لأن سببها لم يوجد في الصلاة.
فإن قيل: هذا يبطل بسجود الشكر إذا وجد سببه في الصلاة، وهو إذا بُشِّر في صلاته بنعمة من الله - عز وجل - ظاهرة تجددت، فإنه لا يجوز أن يسجد في صلاته، وإن كان سببه وجد في الصلاة.
قيل: سبب سجود الشكر تجدد النعمة، وذلك ليس بعارض في الصلاة، وإنما العارض أن يكون سببه من أفعال الصلاة، والله أعلم.
23 -
مَسْألَة: في الحج سجدتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج: 18]، والثانية: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج:
77]: نص على ذلك في رواية الأثرم 29، وهو قول الشافعي - رحمه الله - 30. وقال مالك 31، وأبو حنيفة 32 - رحمهما الله -: فيها سجدة
الجزء: 1 - الصفحة: 285
واحدة، وهي الأولى.
دليلنا: ما روى أحمد - رحمه الله - 33، وذكره عبد الله في مسائله 34 قال: نا عبد الله بن يزيد 35 قال: حدثنا ابن لهيعة 36 عن مِشْرح 37 بن هاعان 38، عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: قلت: يا رسول الله! أفضلت سورة الحج على القرآن بأن جُعل فيها سجدتان؟ قال: "نعم، ومن لم يسجدهما، فلا يقرأهما" 39.
الجزء: 1 - الصفحة: 286
وروى أبو داود بإسناده 40 عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: قلت: يا رسول الله! أفي سورة الحج سجدتان؟ فقال: "نعم، ومن لم يسجدْهما، فلا يقرأهما" 41.
فإن قيل: ظاهر الخبر يقتضي الوجوب، وقد اتفقنا على نفي وجوبها، والخبر إذا اقتضى وجوب شيء، وقامت الدلالة على نفي الوجوب، سقط التعلق بظاهره، ولم يجز الاحتجاج به في الندب.
قيل له: هذا لا يصح لوجهين:
أحدهما: أنه لا يدل على وجوبه؛ لأن معناه: من تركهما معتقدًا أنه ليس بقربة، فليترك قراءتهما معتقدًا أنه ليس بقربة، وهذا مثل قوله - عليه السلام -: "من لم يُضَحِّ، فلا يَقْرَبَنَّ مصلَّانا" 42. = مسائل عبد الله رقم (489)، وقال أحمد شاكر: (بل هو حديث صحيح).
ينظر: تحقيقه لسنن الترمذي (2/ 363).
الجزء: 1 - الصفحة: 287
والثاني: أن اللفظ الذي تركنا ظاهره غيرُ الذي أثبتنا به السجدة الثانية؛ لأنا أثبتناها بقوله - عليه السلام -: "نعم" جوابًا عن السؤال، وهذا مستقل بنفسه غيرُ متعلق بما بعده.
وأيضًا: روى أبو داود بإسناده 43 عن عمرو بن العاص 44 - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن منها: ثلاث في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان 45. = باب: الأضاحي واجبة هي أم لا؟ رقم (3123) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، ورجاله ثقات، ومخرج لهم في الصحيحين إلا واحدًا، فهو من أفراد مسلم، وروي مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أشبه بالصواب، ذكر ذلك ابن عبد الهادي في التنقيح (3/ 564)، وابن حجر في الفتح (10/ 6)، وينظر: كلام ابن مفلح في الفروع (2/ 309).
الجزء: 1 - الصفحة: 288
فإن قيل: ليس فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: هذه مواضع السجود، وجاز أن يكون قرأها على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فظن أنها مواضع السجود، فأخبر عما عنده.
وأيضًا: بأنه إجماع الصحابة - رضوان الله عليهم -.
روى أحمد - رحمه الله - بإسناده في مسائل عبد الله 46 عن عبد الله بن ثعلبة 47 قال: رأيت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يسجد في الحج سجدتين، قال سعد بن إبراهيم 48: قلت لعبد الله بن ثعلبة: في الصبح؟ قال: في الصبح 49.
الجزء: 1 - الصفحة: 289
وقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي 50: إن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - كان يسجد في الحج سجدتين 51. وروى أحمد بن حنبل - رحمه الله - بإسناده 52 عن أبي العالية 53: قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: فُضلت سورة الحج بسجدتين 54. وروى أحمد - رحمه الله - بإسناده 55 عن جبير بن نفير: أن أبا
الجزء: 1 - الصفحة: 290
الدرداء - رضي الله عنه - سجد في الحج سجدتين 56. وقال صفوان بن محرز 57: إن أبا موسى الأشعري - رضي الله عنه - قرأ عليّ 58 سورة الحج على منبر البصرة، فسجد بالناس سجدتين 59. وروى أحمد - رحمه الله - بإسناده 60 عن نافع قال: كان ابن عمر - رضي الله عنهما - يسجد في الحج سجدتين 61.
الجزء: 1 - الصفحة: 291
وروى أحمد - رحمه الله - بإسناده 62 عن أبي إسحاق قال: أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في الحج سجدتين 63.
وهذا إجماع منهم لا يُعرف عن أحد منهم خلافُه، فوجب العمل به 64.
والقياس: أنه ترغيب من الله تعالى، وحث 65 على السجود له في شريعتنا باسمه الخاص، فوجب أن يكون من مواضع السجود، أصله: المواضع الأُول من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج: 18]، وسائر الآيات التي يتعلق بتلاوتها السجود.
وفيه احتراز من قوله في آخر الحجر: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: 98]؛ لأن ذلك لم يقصد به الترغيب في السجود، وإنما قُصد به تسليةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما يضيق صدره من كلام المشركين وقلبه، وقوله تعالى: ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: 98] معناه: مع = والبيهقي في الكبرى كتاب: الصلاة، باب: سجدتي سورة الحج، رقم (3731)، وهو في موطأ مالك عن عبد الله بن دينار: أنه قال: رأيت عبد الله بن عمر يسجد في سورة الحج سجدتين.
ينظر: الموطأ (2/ 288) رقم (699).
الجزء: 1 - الصفحة: 292
الساجدين، هكذا قاله المفسرون 66، فأمره الله تعالى بمفارقة المشركين، ومصاحبة المؤمنين، لئلا يرى منهم ما يضيق صدره.
وفيه احتراز من قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران: 43]، لأن ذلك من قول الملائكة: يا مريم إلى قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]؛ ولأن ذلك في شريعة مَنْ كان قبلنا.
وفيه احتراز من قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: 72]؛ لأنه لا يتضمن السجود، ولم يصرح باسمه.
وفيه احتراز من قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: 34]؛ لأن ذلك ذم لمن ترك السجود لآدم - عليه السلام -، وليس ذلك بذم لمن ترك السجود لله.
وأما قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: 24] ليس بحث على السجود، وإنما هو إخبار عن توبة داود - عليه السلام -.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: 40]، ليس بحثٍّ على السجود، وإنما هو حثٌّ على التسبيح.
وأما قوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: 26]، أمر بتطهير البيت من الشرك للمصلين، وليس بحث على السجود؛ لأن القائمين هم المصلون، والركع السجود تكرار
الجزء: 1 - الصفحة: 293
على سبيل التأكيد.
وفيه احتراز من قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: 113]؛ لأن ذلك ليس بحث على السجود، وإنما هو إخبار عن قوم 67 وصفهم الله بذلك، ونعت حالهم لنا.
واحتج المخالف: بأن الثانية من الحج ذكرت مع الركوع، فصارت كقوله: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران: 43]، وقوله: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: 125].
والجواب: أن عند المخالف: أنه إذا تلا السجدة، كان مخيرًا بين السجود والركوع، والسجود على طريق التأكيد، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه ترغيب من الله على السجود في شريعتنا باسمه الخاص أشبه ما ذكرنا.
واحتج: بأن السجود الذي مع الركوع هو الصلاة، والأمر بالصلاة لا يقتضي سجودًا؛ كقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: 72].
الجواب: أن هذا ليس بأمر بالصلاة؛ لأن الأمر بالصلاة بعده، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43]، ولو كان ذلك أمرًا بالصلاة، لما أعادها بعد، وعلى أنه لو كان أمرًا بالصلاة، اقتضى أن يكون موضعًا للسجود؛ ولأنه قد صرح بذكر السجود على سبيل الحث والترغيب، وليس كذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾؛ لأنه لم يصرح بذكر السجود.
الجزء: 1 - الصفحة: 294
واحتج: بأنها سورة من القرآن، فلم تتضمن سجدتين، دليله: سائر سور القرآن.
والجواب: أن هذا القياس وما قبله من الأقيسة يخالف نصَّ الخبر والإجماع، فيجب اطِّراحُه، وعلى أنه ليس إذا لم يكن في غيرها من السور مما يمنع منها، كما أن السور التي فيها السجود لم يوجد ذلك في غيرها، ولم يمنع ذلك منها؛ ولأن سائر السور لم يوجد الترغيب من الله تعالى على السجود في موضعين، وليس كذلك في هذه السورة؛ لأنه قد وجد الترغيب من الله - عز وجل - على السجود في شرعنا باسمه الخاص في موضعين، فلهذا فرقنا بينهما.
24 -