مَسْألَة: القارئ أولى بالإمامة من الفقيه، وهو أن يكون أحدهما يحسن جميع القرآن، ومن الفقه ما يتعلق بأحكام الصلاة، والآخر يحسن من القرآن ما يجزئ به الصلاة، ومن الفقه شيئًا كثيرًا:
نص عليه في رواية صالح 1، وعبد الله 2: في رجلين: أحدُهما: حافظ القرآن، ولا فقه له، والآخر ليس بحافظ، وهو فقيه؟ قال: يؤمهم أقرؤهم للقرآن 3.
وقال أبو حنيفة 4، ومالك 5، والشافعي 6 - رضي الله عنهم -: الفقيه أولى.
دليلنا: ما روى أبو بكر في كتابه باسناده عن أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يؤم القومَ أقرؤهم لكتاب الله - عز وجل -، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمُهم بالسنة، فإن كانوا بالسنة سواء، فأقدَمُهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأكبرُهم سنًا" 7، وهذا نص.
الجزء: 2 - الصفحة: 386
فإن قيل: محمول على أنهم تساووا في الفقه، وانفرد بعضهم بالقرآن؛ لأن القوم كانوا يتعلمون القرآن بأحكامه.
قيل له: هذا لا يصح لوجهين:
أحدهما: أن هذا الكلام لم يخرج مخرج المواجهة للصحابة - رضي الله عنهم -، وإنما هو خطاب عامٌّ لهم ولغيرهم.
والثاني: أنه رتب، فقال - عليه السلام -: "فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة"، فعلم أن أول الخبر لم يقتض مساواتهم في الفقه.
وأيضًا: روى أبو بكر النجاد بإسناده عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليؤذِّنْ لكم خيارُكم، وليؤمَّكُم أقرؤكم" 8.
وروى أيضًا باسناده عن عمرو بن سلمة - رضي الله عنه - قال: كنا بحاضر يمرُّ بنا الناس إذا أتوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فكانوا إذا مروا بنا، فأخبرونا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: كذا، وكنت غلامًا حافظًا، فحفظت من ذلك قرآنًا كثيرًا، فانطلق أبي وافدًا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نفر من قومه، فعلَّمهم الصلاة، وقال: "يؤمُّكم أقرؤكم"، فكنت أقرأهم؛ لما كنت أحفظ، فقدَّموني، فكنت أؤمهم وعليَّ بردةٌ ... الخبر 9.
وروى أيضًا بإسناده عن أبي سعيد - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا كانوا
الجزء: 2 - الصفحة: 387
ثلاثة، فليؤمَّهم أحدُهم، وأحقُّهم بالإمامة أقرؤهم" 10. وروى أيضًا بإسناده عن أنس - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "يؤم القومَ أقرؤهم لكتاب الله - عز وجل -" 11. ولأنه إجماع الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين -. روى النجاد بإسناده عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين، وأصحابَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأنصار - رضي الله عنهم - في مسجد قباء، منهم 12: أبو بكر، وأبو سلمة، وزيد، وعامر بن ربيعة - رضي الله عنهم - 13. وروى بإسناده في لفظ آخر عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال: لما قدم المهاجرون، نزلوا العقبة قبل مقدَم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم 14 قرآنًا، وفيهم عمر بن الخطاب،
الجزء: 2 - الصفحة: 388
وأبو سلمة بن عبد الأسد 15 - رضي الله عنهم - 16.
وأيضًا: فإن القارئ ساوى الفقيه في معرفة ما يلزم فعله من أركان الصلاة، وانفرد بزيادة القراءة، وتلك الزيادة يؤتى بها في الصلاة على وجه الاستحباب؛ لأن ما زاد على القادر مستحب، والفقيه انفرد بمعرفة أحكام السهو إذا طرأ عليه، وذلك المعنى غير متحقق وجوده؛ لأنه يمكنه أن يتحفظ منه، وكثير ممن لا يسهو، فيجب أن يحمل أمره على السلامة، فكانت مزية القارئ أولى؛ لأنه قد يحتاج إليها لا محالة، وتلك المزية لا يحتاج إليها، فعلى هذا: إذا كان أقرأ من غيره، قُدِّم، سواء كان يختم القرآن، أو لا يختمه بعد أن يزيد على غيره في الحفظ، ولأن الفقه ليس بشرط في صحة الصلاة، فلا يتقدم على القارئ، أصله: الشرف، والسن.
واحتج المخالف: بما روى النجاد بإسناده عن عقبة بن عامر 17 - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليؤم القومَ أعلمُهم بالسنة، فإن كانوا في السنة
الجزء: 2 - الصفحة: 389
سواء، فأقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا سواء، فأقدمهم سنًا، ولا يؤم أحدًا في سلطانه، ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه" 18.
والجواب: أن أبا بكر عبد العزيز روى بإسناده عن عقبة بن عامر 19 - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليؤمكم أكثركم قراءة للقرآن، وأقرؤكم لكتاب الله، فإن كانت القراءة واحدة، فأقدمكم هجرة، فإن كانت الهجرة واحدة، فأقدمكم سنًا" (2)، وإذا اختلف لفظ الحديث، كان ما رويناه أولى؛ لأنه يعضده حديث أبي مسعود، وغيره من الأخبار التي ذكرناها، ويعضده إجماع الصحابة.
واحتج: بأن الصلاة تنوب فيها أحوال من ترك مفروض، ومسنون، ومستحب، وسهو، فيحتاج الإمام أن يكون فقيهًا؛ ليعرف كيف يتخلص من ذلك.
والجواب: أنا قد بينا أن ما يطرأ من السهو مظنون، وفضيلة القراءة
الجزء: 2 - الصفحة: 390
متحققة، فكان المتحقق أولى، والله أعلم.
108 -