مَسْألَة: يجوز أن يصلي على الجنازة من لم يصل مع الإمام قبل الدفن وبعد الدفن:
نص على هذا في رواية أبي داود، وحرب فقال: يصلي على الجنازة بعد ما صُلّي عليها قبل أن تدفن.
وقال أيضًا في رواية الأثرم، وحرب، وحنبل: ويصلي على القبر.
واحتج: بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبهذا قال الشافعي رحمه الله.
الجزء: 4 - الصفحة: 297
وقال أبو حنيفة، ومالك رحمهما الله: لا تعاد الصلاة على الميت إلا أن يكون الولي حاضرًا فيصلي عليه غيره، فيعيدها الولي.
دليلنا: ما روى أحمد رحمه الله في مسائل الأثرم قال: حدثنا هشيم قال: حدثنا عثمان بن حكيم عن خارجة بن زيد بن ثابت عن عمه يزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما وردنا البقيع إذا هو بقبر جديد، فسأل عنه، فقيل له: فلانة فعرفها، فقال: ألا آذنتموني بها، قالوا: كنت قائلًا صائمًا فكرهنا أن نؤذنك، قال: فلا تفعلوا لا يموتن فيكم ميت ما كنت بين أظهركم إلا آذنتموني به، فإن صلاتي عليه له رحمة، قال: ثم أتى القبر فصفنا خلفه فكبر أربعًا.
وروى أحمد رحمه الله في المسائل قال: حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا الشيباني عن الشعبي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى على قبر بعد ما دفن.
وهذا نص في الصلاة على القبر لمن لم يصل.
فإن قيل: فرض الصلاة لم يكن سقط عن الميت في ذلك الوقت إلا بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بدلالة ما روي عنه أنه قال: "لا يصلي على موتاكم ما دمت بين أظهركم أحد غيري"، وقال: "إن القبور مملوءة ظلمة حتى أصلي عليها".
وإذا لم يكن فرض الصلاة سقط بصلاة غيره كانت صلاته على قبر هؤلاء فرضًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 298
قيل له: لا نسلم لك هذا أن فرض الصلاة في ذلك الوقت لم يكن سقط بغير صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما ذكروه من قوله عليه السلام: "لا تصلوا على موتاكم ما دمت بين أظهركم"، فهذا لا يدل على أن فرض الصلاة لا يسقط إلا بصلاته، وإنما يدل على أن ذلك فضيلة للميت ورحمة.
ولأنه لو كان كما قالوا لكانوا لا يدفنون قبل إقامة فرض الصلاة عليه، ولكان ينكر عليهم دفنهم قبل صلاته عليه.
فإن قيل: يجوز أن يكون خفي ذلك عليهم.
قيل له: لا يجوز أن يخفى ذلك عليهم مع كثرة الموت، وظهور الفرض في وقتهم، ولأنهم لم يقولوا: ما علمنا ذلك، وإنما قالوا: كرهنا أن نوقظك، فدل على أنهم علموا أنه فضيلة، وليس بواجب.
فإن قيل: يجوز أن يكونوا انفردوا بالصلاة لعذر عارض، ألا ترى أنهم قالوا: كرهنا أن نوقظك؟ !
قيل له: هذا النوع من العذر لا يسقط الفرض، ألا ترى أنهم كانوا يوقظونه لصلاة الفرض؟ ! ولما تأخر خروجه لصلاة الصبح قالوا: الصلاة خير من النوم، وكذلك لما تأخر في شدة الحر.
والقياس هو: أن كل من جاز أن يصلي على الميت إذا لم يكن قد صلي عليه، جاز أن يصلي عليه، وإن كان قد صلي عليه كالولي والوالي.
فإن قيل: الولي له حق التقدم، فليس لغيره أن يبطل حقه إلا أن يسقطه الولي، وإذا لم يسقط حقه وصلى عليه جاز وانتقضت الصلاة
الجزء: 4 - الصفحة: 299
الأولى كما لو صلى الظهر في بيته وحضر لصلاة الجمعة انتقض ظهره، وهذا معدوم في غير الولي فيجب أن لا يعتد.
قيل له: حق التقديم الذي للولي يسقط بسقوط فرض الصلاة، وقد سقط فرض الصلاة بفعل الجماعة بالإجماع؛ لأن الولي لم يصل عليه كان فرض الصلاة على الميت ساقطًا وصلاتهم محتسبًا بها، فإذا سقط فرض الصلاة سقط حكم التقديم الذي هو حكم من أحكامها.
واحتج المخالف: بأن الصلاة على الميت فرض على الكفاية، والفرض يسقط بالأولى، والثانية تطوع، ولا يجوز أن يتطوع بالصلاة على الميت، ألا ترى أنه إذا صلى عليه وليه ثَم لم يكن له أن يتطوع بها ثانيًا؟ !
وكذلك من صلى مع الولي مرة لا يتطوع بها ثانيًا، كذلك هذا، وقد نص أحمد رحمه الله على هذا، وأن من صلى مرة لا يصلي ثانية في رواية أبي حامد أحمد بن نصر وقد سئل: أيصلي الرجل على الجنازة ثم يصلي عليها مرة أخرى؟ فقال: إذا صلى مرة تكفيه، ولكن من لم يصل على الجنازة، فإذا وضعت فإن شاء صلى على القبر.
والجواب: أن سقوط المفروض في حقه لا يمنع صحة الصلاة على الجنازة، بدليل: أن النساء ليس عليهن فرض الصلاة، ومع هذا فإنه تصح صلاتهن، وعلى أنه ليس إذا لم يجز تكرارها من واحد لم يجز من اثنين، بدليل: أن الولي لو صلى عليها مرة كره أن يصلي ثانيًا، ولو صلى
الجزء: 4 - الصفحة: 300
عليه غيره، جاز له أن يصلي عليها، وكذلك من سلم على جماعة فرد بعضهم سقط الفرض عن الجماعة، ولو رد الباقون بعد الأول كان الرد صحيحًا، ولو رد الأول مرة ثانية لم يعتد بالثاني، كذلك مثله في مسألتنا.
واحتج: بأنه لما لم يجز لمن أداها مرة أن يتطوع بها، لم يجز لمن لم يؤد كالغسل، والتكفين، والدفن، ولأنه فرض يتعلق بالميت، فإذا أدى [الفرض] 1 على سنته لم يتطوع به بعد ذلك، قياسًا على ما ذكر، فإنه لا يلزم عليه إمرار الماء عليه في المرة الثانية، والثالثة، وكذلك الزيادة على الثوب الواحد في الكفن؛ لأن الزيادة من سنة هذا الفرض، وقد قلنا: فإذا أدى الفرض على سنته لم يتطوع به بعد ذلك.
والجواب: أنه ليس إذا لم يجز تكرار الغسل، والتكفين، والدفن لم يجز تكرار الصلاة، الدليل عليه: أن الولي لا يكرر ذلك مرة ثانية إذا كان قد فعله غيره، وتكرر ذلك في الصلاة عليه؛ لأن في إعادة الغسل والتكفين تأخير دفنه وحبسه إلى أن يتغير، فلهذا لم يجز إلا مرة، وليس كذلك الصلاة؛ لأنها دعاء وشفاعة فلم يكن في تكريرها وإعادتها ضرر على الميت.
واحتج: بأنه لو جاز أن يتطوع بها لجاز أن يصلي على قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - واتفقوا أنه لا يجوز فثبت ما قلنا.
والجواب: أنه إنما لم تجز الصلاة على قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - اليوم؛ لأنه
الجزء: 4 - الصفحة: 301
قال: "لا تجعلوا قبري مسجدًا"، وقال: "لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
فإن قيل: هذا ينصرف إلى الصلاة التي فيها الركوع والسجود، فأما الصلاة على الميت فليس فيها سجود، فكيف يصير الموضع بها مسجدًا؟ واشتقاق المسجد من السجود.
قيل له: الناس يطلقون على الموضع الذي بني للصلاة على الموتى الجنائز، فإذا كان كذلك سقط هذا.
وجواب آخر: وهو أن الصلاة على القبر إنما تجوز إلى شهر، وما زاد على ذلك لا يجوز، وهذا معدوم في حق النبي - صلى الله عليه وسلم -.
واحتج: بأنها صلاة مفروضة، فوجب أن لا يتطوع بها كسائر الصلوات المفروضات.
والجواب: أن هذا غير مسلم في الأصل؛ لأن المفروضات يتطوع بها، وهو إذا صلى الفرض منفردًا ثم حضرت الجماعة، فإنه يستحب إعادتها، وتكون الثانية نافلة، فيجب أيضًا أن تقولوا في صلاة الجنازة كذلك.