: والدلالة على أن صلاة الأمي لا تبطل: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وإنما لكل امرئ ما نوى" 1، فيجب أن تحصل للأمي صلاته التي نواها أن يأتم بغيره، والقياس: أن كل من لو ائتم بغيره صحت صلاته، فإذا أمَّه يجب أن يصح؛ كالأمي إذا أمّ أميًّا، والقارئ إذا أمّ قارئًا، والمرأة إذا أمّت امرأة، ولا يلزم عليه المرأة إذا أمت الرجال في صلاة الجمعة، فإن صلاتها تبطل؛ لأنه لا يصح أن يأتم بغيرها في هذه الصلاة، ألا ترى أنه لو تم العدد بامرأة، لم تصح صلاتها؟ فلو صح أن تكون مأمومة في هذه الصلاة، لصحت صلاتها في هذه الحال؛ كسائر الصلوات المفروضات يصح أن تأتم بالرجل، وإنما صحت صلاتها إذا كمل العدد على طريق التبع للرجال، ولأن كل من صحت صلاته إذا صلى منفردًا، فإذا أمّ من لا يجوز أن يكون إمامًا، لم تبطل صلاته بذلك؛ كالمرأة إذا أمت الرجال،
الجزء: 2 - الصفحة: 350
ولأنه لو بطلت صلاته إذا علم بالقارئ خلفه، بطلت، وإن لم يعلم؛ كما لو ترك قراءة نفسه ناسيًا، وقد قال أبو بكر الرازي 2: لا يجب عليه أن يتبع المساجد، كما لا يجب عليه طلب الماء، ولكن إن علم أن معه في المسجد قارئًا، بطلت صلاته، وإن لم يعلم، لم تبطل؛ كما لا تبطل بنسيان الماء في رحله، وقد كان يجب أن يعتبر هذا بقراءة نفسه؛ لأنه نظيره، وفي حكمه، ويدل عليه: أنه لا يجب عليه أن يصلي خلف غيره، إذا كان عالمًا به: بما روى إبراهيم السكسكي 3 عن عبد الله بن أبي أوفى - رضي الله عنه -: أن رجلًا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله! لا أستطيع أن آخذ شيئًا من القرآن، فعلمني ما يجزئني، فعلَّمه خمسَ كلمات، فقال: "قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" 4، ولم يأمره أن يصلي خلف القارئ،
الجزء: 2 - الصفحة: 351
فدل على أنه لا يجب ذلك.
واحتج المخالف: بأن الأمي يمكنه أن يقتدي بقارئ، فيؤدي صلاته بقراءة؛ لأن قراءة الإمام قراءة له، فإذا أمكنه ذلك، فلم يفعل، لي تصح صلاته، وإذا لم تصح صلاته، لم تصح للمأموم 5.
والجواب: أن هذا تبطل به إذا وجد جماعة في مسجد آخر؛ فإنه قادر على أن يؤدي صلاته بقراءة، ومع هذا، لا يلزمه ذلك، ولأن طهارة الإمام شرط في صحة صلاة المأموم، كما أن قراءة الإمام شرط في صحة صلاة المأموم، فكان يجب على المتوضئ أن يصلي خلف متوضئ؛ لأنه يمكنه ذلك، وقد قال: لا يلزمه، كذلك في مسألتنا.
واحتج: بأن القارئ يصح له الدخول في صلاة الأمي؛ لأنهما متساويان في حال الدخول فيها؛ لأن حال الدخول لا يحتاج إلى القراءة، فإذا صح دخوله 6 في صلاته، لزم الإمامَ حينئذ أن يتحمل القراءة عن القارئ من طريق الحكم، فإذا لم يتحملها، فسدت صلاته؛ كالقارئ إذا ترك القراءة في صلاته، فإذا فسدت صلاته، فسدت صلاة المأموم القارئ.
= والتلخيص الحبير (2/ 670)، وحسنه العلامة ابن باز، والألباني.
ينظر: فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز (29/ 273)، وإرواء الغليل (2/ 12).
الجزء: 2 - الصفحة: 352
الجواب: أنه لا يصح أن يلزمه تحمل القراءة عن المأموم، وهو غير قادر عليها, ولا يصح أن يؤمر بها، وإذا لم يلزمه التحمل، لم تبطل صلاته، فلم يترك شيئًا واجبًا.
فإن قيل: لا يمتنع أن يكون حكم التكليف قائمًا عليه في فساد صلاته بتركها، وإن لم يصح (1) أن يؤمر بها في هذء الحال؛ كالناسي للقراءة لا يؤمر بها في حال نسيانه، وحكمُ الفرض قائم عليه في باب فساد صلاته بتركها، وكذلك الناسي للركوع والسجود.
قيل له: يجوز أن يكون حكم التكليف قائمًا في حال النسيان، ويسقط (2) في حال العجز؛ بدلالة المصلي في نفسه، أو نسي القراءة، لم يسقط فرضها, ولو عجز عنها، سقط فرضها، وأجزأه، كذلك لا يمتنع أن لا يسقط حكم التكليف في النسيان في حق غيره، ويسقط حكمه في حال العجز، والله أعلم.
104 -