مَسْألَة: أقل السفر الذي يباح فيه القصر، والإفطار، والمسح ثلاثًا: ستة عشر فرسخًا (1)، ثمانية وأربعين ميلًا بالهاشمي
نص عليه في رواية الأثرم 4، والمروذي 5، وحرب (4)، وهو قول2
الجزء: 2 - الصفحة: 471
مالك 6، والشافعي 7 - رضي الله عنهما -.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: أقل مسيرة ثلاثة أيام سير الإبل، ومشي الأقدام 8.
وقال داود: لا حدَّ له، ويقصر في قصير السفر وطويله 9.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: 101]، وظاهر هذا: أن كل ضرب في الأرض يجوز فيه القصر، إلا ما خصه الدليل.
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]، هو عام في كل ما يسمى سفرًا.
وأيضًا: ما روى أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب مختصر المختصر 10 عن عطاء بن رباح عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يا أهل مكة! لا تقصروا في أدنى من أربعة بُرُدٍ من = والإرشاد ص 92، والجامع الصغير ص 55، والهداية ص 103، والإنصاف (5/ 36)، وكشاف القناع (3/ 262).
الجزء: 2 - الصفحة: 472
مكة إلى عسفان" 11.
وروى شيخنا في كتابه بإسناده عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا أهل مكة! لا تقصروا 12 في أدنى من أربعة بُرُد من مكة على عسفان" 13، فوجه الدلالة: أنه منع من القصر فمِما دون أربعة برد، وأباحه في أربعة برد، والبريد: اثنا عشر ميلًا، وهي أربعة فراسخ، فتكون أربعة 14 برد: ستة عشر فرسخًا.
فإن قيل: هذا احتجاج من دليل الخطاب؛ لأنه نهى عن القصر فيما دون أربعة برد، وهذا اتفاق، وليس فيه جواز القصر في أربعة برد، فهو موقوف على الدليل.
الجزء: 2 - الصفحة: 473
قيل له: نحن نقول بدليل الخطاب على أنه لا فائدة في تقدير المسافة بما ذكره إلا لبيان الحد؛ لأن العرب لا تقول ذلك، وهو يسوي بين الأربع وبين غيرها، ولأنه إجماع الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين -، فروى أبو بكر النجاد بإسناده عن عطاء قال: سألت ابن عباس - رضي الله عنهما -: أقصر إلى مَرٍّ 15؟ قال: لا، قلت: إلى منى؟ قال: لا، قلت: إلى الطائف؟ قال: نعم 16. وروى أيضًا بإسناده عن القعنبي 17 عن مالك: بلغه أن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - كان يقول: تقصر الصلاة في مثل ما بين مكة والطائف، وفي مثل ما بين مكة وعسفان 18، .....................................
الجزء: 2 - الصفحة: 474
قال مالك: وذلك أربعة برد 19.
وروى أيضًا بإسناده عن عطاء بن رباح: أن عبد الله بن عمر، وابن عباس - رضي الله عنهم - كانا يصليان ركعتين، ويقصران في أربعة بُرد فما فوق ذلك 20.
وروى شيخنا في كتابه عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: أنه قال: لا تقصروا في بواديكم، ولا مجشركم 21، ولكن من إقليم الكوفة إلى المدائن 22. = عن ابن عباس معروف من نقل الثقات، متصل الإسناد عنه من وجوه).
ينظر: الاستذكار (6/ 84).
الجزء: 2 - الصفحة: 475
وظاهر هذا منهم: أنه توقيف.
والقياس: أنه سفر يجمع مشقة السير والحل والارتحال في العادة، فوجب أن يتعلق به إباحة مدة الرخص؛ قياسًا على سفر مدة ثلاثة أيام، ولا يلزم عليه إذا كان السفر مرحلة ونصفًا؛ لأن ما زاد ليس بمعتاد؛ لأن التكرار المعتاد أن يكون الثاني مثل الأول.
فإن قيل: هذا موجود في خمسة عشر فرسخًا.
قيل له: لا يمتنع أن يتقدر بستة عشر فرسخًا لهذه العلة، وإن وجدت فيما دون؛ كما يقدر عنده بثلاثة أيام، وكما تقدرت مدة الرضاع بالحولين، ونحو ذلك من المقدرات، وإن كان معانيها توجد فيما دون ذلك.
وإن شئت قلت: سفر مقدر في العادة بإحدى مدتي المسح، فوجب أن يتعلق به الرخص؛ قياسًا على مدة ثلاثة أيام، وإن شئت قلت: مسافة تقطع في العادة في زمان يستوفي أوقات الصلوات الخمس على التكرار، فأشبه ما ذكرنا.
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يمسح المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن" 23، فخرج هذا الكلام مخرج البيان لحكم المسافر، ومن حكم البيان: أن يكون شاملًا لجميع ما أريد بيانه، فإذا كان كذلك، وجب أن يكون كل مسافر فمدة سفره ثلاثة أيام حتى
الجزء: 2 - الصفحة: 476
يمكن استيفاء المسح؛ لأنه أيام في السفر، ولأنه أدخلَ الألفَ واللامَ، فاستغرق جنس المسافرين؛ إذ ليس ها هنا معهود ينصرف الخبر إليه، فلا يبقى مسافر يتعلق بسفره حكم إلا وسفره ثلاثة أيام؛ لأنه لو لم يكن كذلك، لكان قد بقي مسافر لم ينتظمه الخبر، ولم يتبين حكمه.
والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنا نقول بموجبه؛ لأن كل مسافر يمكنه 24 ثلاثة أيام، فإن كان من سفره ستة عشر فرسخًا، كان له أن يقطعها في ثلاثة أيام، وإذا كان كذلك، فهذه المدة ثابتة لكل مسافر.
فإن قيل: فقد يمكنه قطعها في يومين.
قيل له: وقد يمكنه أيضًا أن يقطع الثلاث في يومين، فلا يكون قد مسح ثلاثة أيام.
والجواب الثاني: أن المقصود بهذا الخبر: بيانُ أكثر مدة المسح في السفر، دون بيان أقل مدة السفر، ألا ترى أنه - عليه السلام - قال: "والمقيم يومًا وليلة"، فبين أكثرَ المدة التي يمسح فيها المقيم، ولم يقصد به بيانَ أقل الإقامة؛ لأن عندنا: أقلُّها ما زاد على أربعة أيام، وعند أبي حنيفة: خمسة عشر يومًا.
واحتج: بأن السفر الذي يباح فيه القصر هو الذي لا يجوز للمرأة أن تخرج فيه بغير مَحْرَم، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر فوق ثلاثة أيام ......................................
الجزء: 2 - الصفحة: 477
إلا مع ذي محرم" 25، فعلق هذا الحكم بالثلاث، وإذا ثبت ذلك في المرأة، ثبت في القصر، والإفطار؛ لأن أحدًا لا يفصل بينهما.
والجواب: أن السفر الذي لا يجوز للمرأة أن تخرج فيه بغير محرم لا يتقدر عندنا بالثلاث، بل يُمنع فيما دون الثلاث، وقد أومأ أحمد - رحمه الله - إلى هذا في رواية الأثرم 26 - وقد قيل: قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تسافر امرأة يومًا" 27 -، فقال: قد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تسافر امرأة ثلاثًا، ويومين، ويومًا" 28، وجاء: "لا تسافر سفرًا" 29، وهذا كله سفر،
الجزء: 2 - الصفحة: 478
وأقلُّ من يوم أيضًا يكون سفرًا، إلا أنه لا يقصر فيه الصلاة، وإذا كان السفر الذي يمنع 30 منه المرأة بغير محرم لا يتقدر بالثلاث، لم يصح ما قالوه.
وأما الخبر، فقد اختلفت ألفاظه، فرواه النجاد بألفاظ، فروى عن عدي بن حاتم - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تسافر المرأة ثلاثة أيام" 31، ورواه ابن عمر - رضي الله عنهما - كذلك 32، وروى أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا تسافر امرأة يومين من الدهر إلا معها ذو محرم منها، أو زوجها" 33، وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو حرمة 34 = رقم (1340)، بلفظ: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها".
الجزء: 2 - الصفحة: 479
منها" 35، وفي لفظ آخر 36: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها".
وإذا كانت الألفاظ في ذلك متعارضة، لم يمكن التعلق ببعضها، وعلى أن فيها حجة لنا؛ لأنه جعل اليوم سفرًا، ومنعها من الخروج بغير محرم، وعنده: ذلك ليس بسفر، وعلى أن هذا احتجاج بدليل الخطاب؛ لأن قوله: "لا تسافر ثلاثة أيام إلا مع زوج"؛ دليله: الجواز فيما دون الثلاث، وعندهم: أن دليل الخطاب ليس بحجة.
فإن قيل: يحمل قوله: "لا تسافر يومين ويومًا إلا مع ذي محرم" إذا أرادت سفر ثلاثة أيام، فإنها لا تخرج يومًا أو يومين إلا مع ذي محرم، وفائدته: أن يظن ظان أنه يجوز أن تخرج مسيرة يوم بغير محرم.
قيل له: قوله: "لا تسافر يومين، ولا تسافر يومًا" يقتضي أن حمله سفر لها ذلك.
واحتج: بأنها مسافة تقطع في مدة لا يمكن استيفاء رخصة المسافر في المسح، فوجب أن لا يقصر فيه الصلاة، أصله: أقل من ستة عشر فرسخًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 480
والجواب: أن استيفاء مدة المسح يمكن فيها، على أن المعنى في الأصل: أنه لا يجمع مشقة السير والحل والارتحال في العادة، وهذا بخلافه.
واحتج: بأن هذا الضرب من المقادير لا سبيل إلى إثباتها إلا من طريق التوقيف أو الاتفاق، وقد حصل الاتفاق على أن مسيرة ثلاثة أيام ولياليهن سفر، وما دونها مختلف فيه، وليس فيه توقيف ولا اتفاق، فلا نثبته سفرًا صحيحًا.
والجواب: أنه قد رُوي: أن رجلًا سأل حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - فقال: إني أسير من المدائن إلى الكوفة، وهي مسيرة ثلاثة أيام، أفأقصر الصلاة؟ قال: لا 37.
فبطل دعوى الإجماع، وعلى أنهم - وإن أجمعوا على جواز القصر فيها -، فلم يجمعوا على أن ذلك حدٌّ، والكلام في إثباتها حدٌّ، ولأننا قد بينا التوقيف في ذلك، ولأن المخالف قد يثبت مقدار [اً] من غير توقيف ولا اتفاق؛ مثل: تقدير مسح الرأس بالربع، ومسح الخف بثلاث أصابع، وكذلك الخرق الذي يمنع من المسح، وتقدير العدد الذي تنعقد به الجماعة، ....................................................
الجزء: 2 - الصفحة: 481
وتقدير عدم 38 المقام بخمسة عشر يومًا، وتقدير النجاسة بالدرهم، وتقدير الرضاع بسنتين ونصف، وما أشبه ذلك، فبطل ما قالوه.
واحتج: بأن الإتمام ثبت بأخبار متواترة، فلا يجوز إسقاطه بأخبار آحاد، وليس في إثبات هذه المدة التي تذهبون إليها أخبار متواترة.
والجواب: أن هذا لا يصح على أصلكم؛ لأن عندكم: أن الأصل في الصلاة القصرُ، والتمامُ فرع له، وعلى أنا إذا بينا المدة التي ذكرناها، لم يلزمه إسقاط حكم التمام بكل حال، وإنما يخصه، ويحمله على غير هذه الحالة، ويجوز تخصيص ما ثبت بأخبار الآحاد، وما ذكرنا عن أبي حنيفة من حديث ابن عباس، وإجماع الصحابة - رضوان الله عنهم أجمعين - فهو حجة على داود؛ لأن الفرسخ والفرسخين لا تلحق فيه المشقة، فهو كالمشي في نواحي البلد.
واحتج المخالف: بعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: 101]، وهذا ضارب.
والجواب: أنه محمول على ما ذكرنا؛ بدليل ما تقدم، والله أعلم.
آخر الجزء السابع [عشر] 39 من أصل المصنف - رحمه الله -.
الجزء: 2 - الصفحة: 482
123 -