: والدلالة على أنه إذا نوى إقامة أربعة أيام يقصر؛ خلافًا للشافعي12345
الجزء: 3 - الصفحة: 15
- رحمه الله - هو: أنه نوى مدة لا تزيد على أكثر عدد اعتبر في الشهادة، فكان له القصر؛ دليله: الثلاث، وإن شئت قلت: نوى إقامة لا تزيد على مدتي المسح، ولأن الثلاث أحد مدتي المسح، فإذا نوى زيادة عليها يومًا، لم يمنع القصر؛ كاليوم، ولأنه نوى الإقامة في مدة تقصر عن أقل نصاب الإبل، وألفاظ اللعان، والواجب في نصاب الوَرِق، ولأنه نوى مدة تستغرق أوقات عشرين صلاة، فجاز له القصر؛ دليله: إذا نوى إقامة ثلاثة أيام غير اليوم الذي يدخل فيه، واليوم الذي يخرج فيه، تبنى المسألة: على أن اليوم الذي يدخل فيه ويخرج فيه معتبر من مدة الإقامة، حكمٌ معتبر بالأيام، فاعتبر بالأبعاض؛ دليله: الحيض، والنفاس، والمسح على الخفين، أو نقول: الإقامة حكمٌ يتعلق بمدة، فاعتبر بابتداء المدة؛ دليله: المسح، والعدة، والحيض، ولأن الإقامة مؤثرة في وجوب الصلاة، فوجب اعتبار حكمها عقيب سببها؛ دليله: البلوغ، والإفاقة من الجنون، ولأن اليوم الذي يخرج فيه إلى السفر يعتد به من سفره؛ لوجود مشقة، كذلك اليوم الذي يقيم فيه يجب أن يعتد به من إقامته؛ لزوال هذه المشقة.
فإن قيل: اليوم الأول يحتاج أن يشتغل بأموره، ويتأهب فيه، فتلحق المشقة أيضًا.
قيل له: حكم الإقامة لا يتغير بما يلحقه من المشقة في أموره، وإنما يتغير بالنية، ألا ترى أن اليوم الثاني، والثالث لا يكون مقيمًا فيهما؛ لعدم
الجزء: 3 - الصفحة: 16
[النية] 6، وإن لم يلحقه فيهما مشقة؟ وربما استدل أصحابنا فيه: بما رُوي عن ابن عباس 7، وجابر 8 - رضي الله عنهم -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم مكة صبيحة الرابع من ذي الحجة، وخرج منها إلى منى يوم التروية بعد الزوال، وكان حاجًا، والحاج لا يخرج إلى منى قبل يوم التروية، فثبت أنه نوى الإقامة من وقت دخول مكة إلى وقت خروجه منها، وحصل له المقام بها أكثر من أربعة أيام، سوى اليوم الذي يدخل فيه إلى البلد، واليوم الذي يخرج منها، وإذا كان كذلك، حصلت إقامته على أصله أقل من أربعة أيام، فلم يلزمه الإتمام.
واحتج المخالف: بما رُوي عن عثمان - رضي الله عنه -: أنه قال: من أجمع على إقامة أربع، أتم 9.
الجزء: 3 - الصفحة: 17
والجواب: أنا قد بينا خلاف الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - في ذلك، فرُوي عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: خمسة عشر، ورُوي: اثني عشر 10.
وعن أنس - رضي الله عنه - خلاف آخر 11، وإذا كان كذلك، لم يكن الاحتجاج بقول بعضهم.
واحتج: بأن المقام اليسير لا يخرجه من حكم السفر، والكثير يخرجه، فلم يكن بُدٌّ من حدٍّ فاصل بينهما، فكان أولى الحدود بالاعتبار: الثلاث 12؛ لما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه لما حرّم [على] المهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه، أرخصَ له في ثلاثة أيام 13، يدل على أنه جعل الثلاث في حد السفر، وما زاد عليها في حد الإقامة، ويدل عليه: أن = قدم مصرًا، فأزمع على إقامة أربع، أتمَّ الصلاة.
قال أبي: روى هذا الحديث المغيرةُ بن عبد الرحمن المخزومي، عن عبد الله بن زياد، عن عرفطة بن أبي الحارث، عن الحسن، عن عثمان.
قال أبي: أدخل في الإسناد عرفطة، ولا يُدرى من عرفطة هذا، ولا عبد الله بن زياد؟ جميعًا مجهولون).
ينظر: العلل (1/ 293)، رقم (356).
الجزء: 3 - الصفحة: 18
عمر - رضي الله عنه - أجلى أهل الذمة من الحجاز، [ثم] 14 أَذِنَ لمن قدم منهم تاجرًا أن يقيم في غير الحرم ثلاثة أيام 15. وفيه 16: قوله تعالى في ناقة صالح: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: 64، 65] , فجعل الثلاثة في حد القريب، وكذلك جعل لحبان بن منقِذٍ 17 - رضي الله عنه - في البيع خيارَ ثلاثة أيام 18، وكذلك المُصَرَّاة 19.
الجزء: 3 - الصفحة: 19
والجواب: أنك لا تجعل الثلاث حدَّ الإقامة، وإنما تجعل الزيادة عليها حدًّا.
تَدَّعي أن الثلاث في حد القلة، وما زاد عليها في حكم الكثرة، وهذا لا يصح؛ لأن الثلاث عندك قد جُعِلت في حكم الكثرة، ولهذا تقول في العمل في الصلاة: إن كان ثلاث خطوات، بطلت الصلاة، وإن نقص عن الثلاث، لم تبطل، فجعلتَ الثلاث في حكم الكثرة، وما زاد على الثلاث فهو أيضًا في حكم القلة في مواضع، منها: في أقل نصاب الإبل جعلت الأربع قليلة في إسقاط الزكاة، والخمس في حكم الكثرة في تعلق الزكاة بها، وكذلك في ألفاظ اللعان، وفي الرضاع، وفي المأخوذ عن نصاب الورق، ما دون الخمس في جميع ذلك قليل لا يتعلق به الحكم، والخَمْسُ كثير؛ مما كان يمتنع مثله ها هنا، والله أعلم.
126 -