مَسْألَة: إذا مضى صدر من الدعاء، واستقبل القبلة بذلك، استحب للإمام أن يحول رداءه، واستحب للناس أيضًا أن يحولوا أرديتهم كالإمام:
نص عليه في رواية صالح، وبكر بن محمد عن أبيه، والميموني، وابن القاسم، وغير ذلك، وأنه مستحب في حق الإمام، وجماعة من الناس.
الجزء: 4 - الصفحة: 126
وهو قول مالك، والشافعي - رضي الله عنهما -.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يستحب ذلك.
دليلنا ما روى أحمد رحمه الله فيما ذكره النجاد قال: حدثنا سريج 1 بن النعمان قال: حدثنا الدراوردي عن عمارة 2 بن غزية عن عباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استسقى وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها فثقلت 3 عليه فقلبها عليه الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن.
وروى النجاد بإسناده عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستسقي يومًا فصلى ركعتين بلا أذان ولا إقامة وخطبنا ودعا الله - عز وجل - وحول وجهه إلى نحو القبلة رافعًا يديه يدعو ثم قلب رداءه فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن.
وروى أيضًا بإسناده عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه استسقى واستقبل القبلة وقلب رداءه وصلى ركعتين.
ورواه أيضًا بإسناده عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة ثم خطب وحول رداءه واستقبل القبلة.
وإذا أثبت هذا من فعله عليه السلام يجب أن يستحب لسائر الناس؛
الجزء: 4 - الصفحة: 127
لعموم قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]، وإذا ثبتت هذه الأخبار أنه مسنون في حق الإمام، يجب أن يكون ذلك مسنونًا في حق سائر الناس، دليله: سائر ما يعمل في الاستسقاء من الدعاء، والاستغفار، وما تقدم عليه من الصيام، والخروج من المظالم، لأن أبا الحسن الدارقطني روى في سننه عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: استسقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحول رداءه ليتحول القحط.
وإذا كان المعنى التفاؤل وجب أن يستحب في حق جميع الناس؛ لأنه أبلغ في هذا المعنى.
فإن قيل: فيجب أن يفعل ذلك في دعاء الكسوف، وحال الأمطار، والزلازل.
قيل له: لا يجب ذلك كما لا يجب عندك رفع اليدين في تكبيرة الإحرام، وفي دعاء القنوت، وغيره من الأدعية، وكان ذلك مسنونًا في جميع ذلك من الدعاء بعرفات، وعلى الصفا، والمروة، وعند الجمرتين.
واحتج المخالف: بأنه لو كان مستحبًا للجميع لفعله الناس، ألا ترى أنه لما خلع نعليه خلعوا نعالهم، نقلوا فعله وفعل الناس؟ !
والجواب: أنه إنما ينقل فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فيه من السنة، ووجوب الاتباع، وليس هذا في فعل الناس، فلهذا لم ينقل، فأما الخلع فإنما نقل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سألهم عن خلعهم نعالهم، وبيّن لهم سبب خلعه نعله، وهو ما كان عليها من أذى.
الجزء: 4 - الصفحة: 128
واحتج: بأنه لا يخلو: إما أن تكون في حكم الخطبة، فهو كخطبة العيدين، فلا يستحب فيه ذلك، أو يكون بمنزلة سائر الأدعية المسنونة، فلا يستحب فيه ذلك أيضًا.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يفارق هذا سائر الأدعية في ذلك، كما فارقت تكبيرة الإحرام غيرها من التكبير عنده في رفع اليدين، وكما فارق الدعاء بعرفات، وعلى الصفا والمروة، وفي المقامين عند الجمرتين في رفع اليدين لسائر الأدعية من دعاء القنوت، وغيره، كذلك ها هنا جاز أن يفترقا، والله تعالى أعلم.
آخر الجزء العشرين من أصل المصنف
رحمةُ الله عليه وعلى كاتبه ووالديهما ولجميع المسلمين
36 -