مَسْألَة: إذا خرج من الميت شيء بعد الغسل أعيد عليه الغسل:
نص عليه في رواية صالح، وأبي الحارث: في الميت ينتقض بعدما يفرغ منه فإنه يغسل ثلاثًا، فإن خرج منه شيء بعد ذلك فإلى سبع، فإن خرج منه شيء بعد ذلك فإلى تسع، ويرفع.
وبهذا قال الشافعي - رضي الله عنه -، ومن أصحابه من قال: لا يجب ذلك، وإنما يستحب، ويغسل الموضع من النجاسة ويجزئه، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله.
دليلنا: ما روي في حديث أم عطية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا إن رأيتن ذلك"، ففرض لهم الثلاث، وجعل لهم الاجتهاد إلى السبع فيما يرونه من الغسل، يريد به: إن حدث أمر يوجب الغسل فاغسلوه، أو معناه: إن أمنتم على الميت من تكرار الغسل.
ولأن الموت في معنى الإغماء، والنوم؛ لأنه سقوط الحواس، وذهاب التمييز، وقد ثبت أن موجب الإغماء، والجنون، والحدث يبطله، وجب أيضًا أن يبطل الحدث موجب الموت، وهو الغسل.
واحتج المخالف: بأن خروج الحدث بعد الغسل لا يبطله، أصله: غسل الجنابة، والجمعة.
والجواب: أنا قد بينا أن الموت يجري مجرى الإغماء، والنوم، ثم ثبت أن الحدث يبطل موجب الموت، كذلك يجب أيضًا أن يبطل
الجزء: 4 - الصفحة: 152
موت الموت الذي هو مثله، فكان اعتباره بنظيره الأولى من اعتباره بالجنابة والجمعة.
واحتج: بأن الغسل لم يجب بالحدث، فوجب أن لا يبطل بالحدث.
والجواب: أنا لا نسلم هذا؛ لأنه وجب بالموت، وهو من جنس الأحداث.
واحتج: بأن طريان الحدث بعد غسل الميت لا يوجب إعادة غسله، دليله: لو خرج منه الحدث وهو في أكفانه أو خرج منه بعد السابعة، فإن أحمد - رحمه الله - نص في هذا الموضع أنه لا يعاد عليه الغسل في رواية إبراهيم بن الحارث فقال: إذا خرج منه شيء وقد وقع في أكفانه لم يعد عليه الغسل، فإنه انتقض وهو على المغتسل وقد غسل سبعًا قال: يوضأ ويرفع.
والجواب: أن ابن منصور قد روى عنه إذا أدرج في الأكفان ثم خرج منه شيء، فإن كان كان شيئًا قليلًا رفع إلا أن يكثر ويظهر من الكفن شيء فاحش فيعاد عليه الغسل.
قال أبو بكر الخلال: إذا أدرج في أكفانه ثم بدا منه شيء، فقد روى عنه جماعة أنه يحمل ولا يعاد الغسل، وما نقله ابن منصور فأرجو أن يكون قاله مرة ثم رجع عنه.
فقد بين أن المذهب أنه لا يعاد عليه الغسل، وهو الصحيح؛ لأن في إعادة الغسل مشقة عظيمة؛ لأنه يحتاج فيه إلى إعادة الغسل، وغسل
الجزء: 4 - الصفحة: 153
الأكفان، ولا يؤمن عليه دفعة ثانية وثالثة، وكذلك إذا غسل سبعًا، وهو على مغتسله لو قلنا يعاد عليه خيف عليه أن تسترخي أعضاؤه وتنفصل، فوجب أن يسقط الغسل، ويعدِل في ذلك إلى الحشو بالقطن والطين، وهذا المعنى معدوم، وإنما حدَّه أحمد - رحمه الله - بالسبع لما روي في حديث أم عطية قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اغسلوها بالماء والسدر ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك".
قالت حفصة: "اغسلوها ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا".
ولأن السبع قد جعلت حدًا في نوع من الاغتسال، وهو ولوغ الكلب، والخنزير.
فإن قيل: لو وجب إعادة الغسل بعد الحدث لوجب إعادة الوضوء أيضًا كالدفعة الأولة لما كانت واجبة والوضوء معها.
قيل له: هكذا نقول، وأنه كلما انتقض فإنه يعاد عليه الوضوء والغسل، نص عليه في رواية إسحاق بن إبراهيم فقال: إذا غسل فبدا منه الشيء بعد الغسلة الثانية يوضأ ويغسل، وكذلك في الثالثة كل ذلك يغسل.
وكذلك نقل صالح قال: يوضأ الميت مرة واحدة إلا إن خرج منه شيء، فيعاد عليه الوضوء والغسل إلى سبع.
قال أبو بكر الخلال: قوله: توضأ مرة، إذا غسل مرات ولم يبد منه حدث، فأما إذا بدا منه حدث فكلهم اتفقوا عنه أنه يوضأ في كل غسلة
الجزء: 4 - الصفحة: 154
إلى سبع ثم يرفع، والله تعالى أعلم.
43 -