مَسْألَة: لا يجوز للرجل أن يغسل ذوات محارمه من النساء:
نص عليه في رواية أبي داود وقد سئل: هل يغسل الرجل أمه؟1
الجزء: 4 - الصفحة: 177
فقال: سبحان الله! واستعظم، وقال: أليس قد قيل استأذن على أمك غير مرة.
وكذلك نقل مهنا عنه في الرجل تموت أمه ولم يجد امرأة تغسلها، هل يغسلها هو؟ قال: لا يغسلها وعليها ثيابها.
وبه قال أبو حنيفة رحمه الله.
وقال مالك والشافعي رحمهما الله: يجوز.
دليلنا: عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾.
وروى أبو حفص العكبري في كتاب غض الطرف: حدثنا ابن الصواف قال: حدثنا الحسن بن موسى قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا أبو مسعود يوسف بن معاوية الأنباري عن أبي المليح الرقي عن عبد الله الوراق قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يغسلني عمي فان العم والد ولا ينبغي للوالد أن ينظر إلى عورة ولده" وظاهر هذا يقتضي أن الأب لا يغسل ابنته، ومعلوم أنه لم يرد به العورة المغلظة؛ لأن ذلك لا يجوز لغير الوالد أن ينظر إليه، علم أن المراد به ما هو في حكم العورة وهو بقية البدن؛ لأنا قد بينا أن جميع بدن الميت في حكم العورة، ولأن كل امرأة لم يبح له وطؤها في حال الحياة لم يجز له غسلها بعد الموت، دليله: الأجنبية.
ولأن الموت يصيِّر جميع البدن في حكم العورة، ولهذا يستر موضع غسله، ولا ينظر الغاسل ولا من يعينه إلا إلى ما لا بد منه، ويستر
الجزء: 4 - الصفحة: 178
جميعه بالكفن، ويستحب غسله في ثوب، وإذا كان كذلك يجب أن يعتبر هذا في حق ذوات المحارم، فتصير المرأة في حكم العورة، فلا يجوز النظر إليها.
وتبنى المسألة على أصل: وهو أنه لا يجوز له أن ينظر إلى ما نظر من ذوات محارمه، ويدل عليه بأشياء منها: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾، فبين أن الزوجة ليست كالأم، وظاهر هذا أنها ليست كهي في النظر وغيره.
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من حام حول الحمى يوشك أن يواقعه"، والنظر إلى هذه المواضع مما يدعو إلى جماعها، وإلى أن الظهر والصدر يكون مظاهرًا بالإضافة إليه فلم يجز النظر إليه، دليله: الفرج.
ولأنه لا يباح له وطؤها فلا يباح له النظر إلى صدرها وظهرها كالأجنبية، يبين صحة هذا أن الأجنبية قد تباح بحال، وهذه لا تباح بحال فهي آكد تحريمًا.
واحتج المخالف: بأن الغسل معنى يتعلق بالنظر، وقد كان في حال الحياة يباح له النظر إلى المواضع الباطنة، فيجب أن يباح بعد الموت.
والجواب: أن أبا بكر الأثرم قال: سئل أحمد رحمه الله: هل ينظر إلى ساق امرأة أبيه وصدرها؟ فقال: لا يعجبني، وقال: أنا أكره أن ينظر من أمه وأخته إلى مثل ذلك، وإلى كل شيء لشهوة.
وظاهر هذا: المنع من النظر إلى ما بطن من البدن كالصدر والظهر.
الجزء: 4 - الصفحة: 179
فإن قيل: فيدل عليه لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية.
والجواب: أن المراد بالزينة ما يظهر، ألا ترى أنها أفادت جواز ذلك في حق الأزواج من جميع الجهات؟ ! ولم يبح مثل ذلك في ذوات المحارم، والله أعلم.
50 -