مَسْألَة: يسجد للسهو قبل السلام إلا في موضعين: أحدهما: أن يسلِّم ساهيًا، وقد بقي عليه شيء من صلاته؛ كالركعة والركعتين، فإن ترك أقل من ركعة؛ كالسجدة ونحوها، سجد قبل السلام:
نص عليه في رواية حرب 2، فقال: إذا نسي سجدة من صلاته، ثم1
الجزء: 1 - الصفحة: 399
سلَّم، يقوم فيأتي بركعة وسجدتين، ويسجد سجدتي السهو قبل السلام.
والثاني: إذا كان إمامًا، وشك وتحرى، وقلنا: إنه يتحرى، فإنه يسجد بعد السلام، وما عدا ذلك كله قبل السلام، وكان القياس يقتضي أن يكون جميعه قبل السلام:
وقد نص على هذا في مواضع، فقال في رواية ابن بدينا 3: يصنع كما صنع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولولا ما جاء عنه، لكان السجود قبل؛ لأنه من تمام الصلاة، وقال أيضًا في رواية صالح 4، والأثرم 5 - واللفظ لصالح -: يُروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه سجد للسهو في خمسة مواضع: موضعان قبل السلام، وثلاثة بعد السلام، فأما بعد التسليم: فهو - إذا شك أن يبني على أكثر ظنه ووهمه - يسجدهما بعد التسليم، وإذا سلم من اثنتين أو ثلاث، يسجدهما بعد التسليم، فهذا رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأما قبل التسليم، فإن نهض من اثنتين، فلما كان قبل أن يسلم، سجد كأنه لم يتشهد بينهما، ثم سلم، وإذا رجع إلى اليقين، سجد قبل التسليم، والذي نختار بعد هذه المواضع: أن يسجد قبل التسليم؛ لأنه شيء يكمل به صلاته.
الجزء: 1 - الصفحة: 400
وقال أيضًا في رواية صالح 6، وأبي طالب 7: مالك - رحمه الله - 8 يقول: ما كان من نقصان، فهو قبل، وما كان من زيادة، فهو بعد، وهذا خلاف قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا شك أحدكم في الثلاث والأربع، فليجعلها ثلاثًا، ويسجد قبل" 9، فقد أمره أن يدع الرابعة، وهي زيادة، ويسجد قبل.
وقال أيضًا في رواية أبي داود 10، وحرب 11: إذا صلى خمسًا أو ستًا، سجد قبل السلام.
فقد نص على ما ذكرنا قبل السلام إلا في موضعين.
وروي عنه: إن كان للزيادة، فبعد السلام، وإن كان للنقصان، فقبله 12.
وروى عنه الحسن بن علي - رضي الله عنهما - 13، فقال: العمل عندنا في سجود
الجزء: 1 - الصفحة: 401
السهو على حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: قبل السلام في النقصان، وبعد السلام في الزيادة.
وقال أيضًا في رواية ابن منصور 14: فيمن صلى الظهر خمسًا: يسجد سجدتين بعد ما يسلم.
وبهذه الرواية قال مالك - رحمه الله - 15.
وقال أبو حنيفة 16، وداود 17: يسجد للسهو بعد السلام في جميعه.
وقال الشافعي - رحمه الله -: يسجد للسهو قبل السلام في جميعه 18.
وذكره أبو بكر النجاد في كتابه قال: وفي كتاب الساجي 19: قال أبو = أو: ابن محمد بن بحر القطان، قال عنه الخلال: (شيخ جليل).
أو: الأُشنائي البغدادي، فهؤلاء كلهم ممن روى عن الإمام أحمد، ولا مزيد يذكر في ترجمتهم.
ينظر: طبقات الحنابلة (1/ 364 و 365 و 366)، والمقصد الأرشد (1/ 327 و 328).
الجزء: 1 - الصفحة: 402
العباس النسائي 20: رأيت أحمد بن حنبل - رحمه الله - يقول: سجدتا السهو قبل السلام، زيادة كان أو نقصانًا 21، مثل قول الشافعي - رحمه الله - 22. فالدلالة على أنه يسجد قبل السلام فيما عدا الموضعين: ما روى أحمد 23، [و] 24 ذكره أبو بكر قال: نا سفيان 25 عن الزهري عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن بحينة - رضي الله عنه -، قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاةً نظن أنها العصر، فقام في الثانية، ولم يجلس، فلما كان قبل أن يسلم، سجد سجدتين 26.
الجزء: 1 - الصفحة: 403
وروى أحمد - رحمه الله - 27 قال: نا عبد الرزاق 28 قال: نا معمر 29 عن الزهري، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن بحينة - رضي الله عنه - قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشاء، فقام في ركعتين، فلم يجلس، فلما كان في آخر صلاته، انتظرنا أن يسلم، فسجد سجدتين قبل السلام، ثم سلم 30. وروى أحمد - رحمه الله - في المسند 31 قال: نا محمد بن فضيل 32 قال: ...................................
الجزء: 1 - الصفحة: 404
نا يحيى بن سعيد 33 عن عبد الرحمن الأعرج: أن ابن بحينة أخبره: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام في الثنتين من الظهر، نسي الجلوس، حتى إذا فرغ من صلاته إلى أن يسلم، سجد سجدتين، ثم ختم بالتسليم 34. وهذا نص.
فإن قيل له 35: الذي رواه أحمد من طريقين: (فلما كان في آخر صلاته، سجد قبل السلام)، وفي لفظ آخر: (فلما كان قبل أن يسلم، سجد)، وهذا يسقط ما قالوه.
وعلى أن قوله: (فلما قضى صلاته) أراد به: قضى صلاته غير التسليم؛ لأنه أخبر أنهم انتظروا تسليمه، ولا يجوز أن يكون سلم وهم ينتظرون تسليمه.
فإن قيل: يحتمل أن يكون قد أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - في سجود السهو، فرآه تشهد بعد سجود السهو، فظنه أنه سجد قبل السلام، فأخبر بذلك.
قيل له: هذا لا يجوز؛ لأن ابن بحينة يقول: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (صلاة يظن أنها العصر، فقام في الثانية، ولم يجلس، فلما كان قبل أن يسلم، سجد سجدتين).
الجزء: 1 - الصفحة: 405
وفي اللفظ الآخر: (فلما كان في آخر صلاته، انتظرنا أن يسلم علينا، فسجد)، وهذا يقتضي أنه كان قد دخل معه في أول صلاة، وأدرك جميعًا 36، فلم يصح حمله على ما قالوه.
فإن قيل: يحتمل أنه سجد قبل التسليمة الثانية.
قيل له: قوله: (انتظرنا أن يسلم علينا، فسجد)، وهذا يقتضي السلام الأول؛ لأنه هو المنتظر؛ ولأن قوله: (سجد قبل أن يسلم)، يقتضي جنس التسليم؛ لأن الألف واللام تقتضي الجنس.
وروى أحمد - رحمه الله - في المسند قال: نا يونس بن محمد قال: نا فليح عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدرِ كَمْ صلَّى؟ فليبن على اليقين، حتى إذا استيقن أنه قد أتمَّ، فليسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإنه إن كانت صلاته وترًا، صارت شفعًا، [وإن كانت شفعًا]، كان ذينك ترغيمًا للشيطان" 37، وهذا نص.
وروى أحمد - رحمه الله - في المسند، قال: نا إبراهيم بن سعد قال: حدثني محمد بن إسحاق عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنه قال له عمر: يا غلام! هل سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو أحدًا من أصحابه: إذا شك الرجل في صلاته، ماذا يصنع؟ قال: فبينما [نحن]
الجزء: 1 - الصفحة: 406
كذلك، إذ أقبل عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنهم أجمعين - قال: فيما أنتما؟ فقال عمر - رضي الله عنه -: سألت هذا الغلام: هل سمعَ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو أحدًا من أصحابه: إذا شك الرجل في صلاته، فلم يدر واحدة صلى أم ثنتين؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا شك أحدُهم في صلاته، فلم يدر واحدة صلى أو ثنتين، فليجعلْها واحدة، وإذا لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثًا، فليجعلْها اثنتين، وإذا لم يدر ثلاثًا صلى أم أربعًا، فليجعلْها ثلاثًا، ثم يسجد إذا خرج من صلاته وهو جالس قبل أن يسلِّم" 38. وروى أحمد - رحمه الله -، وذكره أبو بكر قال: نا إسماعيل بن إبراهيم قال: نا محمد بن إسحاق قال: حدثني مكحول: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا صلى أحدكم، فشك في صلاته، فإن شك في الواحدة والثنتين، فليجعلهما 39 واحدة، فإن شك في الثنتين والثلاث، فليجعلهما ثنتين 40 حتى يكون الوهم في الزيادة، ويسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم يسلم" 41. وروى أبو الحسن الدارقطني بإسناده 42 عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن
الجزء: 1 - الصفحة: 407
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا صلى أحدكم، فلم يدر أزاد أم نقص؟ فليسجد سجدتين وهو جالس، ثم يسلم" 43.
وروى أيضًا بإسناده 44 عن محمد بن يوسف 45 - مولى عثمان - عن أبيه 46: أنه قال: صلى بهم معاوية - رضي الله عنه -، فقام في الركعتين وعليه الجلوسُ، فسبح الناس به، فأبى أن يجلس حتى جلس للتسليم، سجد سجدتين وهو جالس، ثم قال: هكذا رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي 47.
وهذا يدل على أنه آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن رواية معاوية متأخرة.
والقياس: أنه نوع سجود عرض سببه في الصلاة، فوجب أن يكون قبل السلام، دليله: سجود التلاوة، ولا يلزم عليه إذا سلم وقد بقي عليه شيء من صلاته، أو تحرى؛ لأن التعليل للنوع، فلا يلزم عليه الأحوال.
الجزء: 1 - الصفحة: 408
فإن قيل: لو كان بمنزلة سجود التلاوة، لوجب أن يُفعل عقيب سببه؛ لأنه يتداخل، ولا يجوز أن يفرد كل سجود بسجدتين، فأُخِّر إلى كل آخر الصلاة 48؛ ليجمع السهو كله، وليس كذلك سجود الصلاة؛ فإنه لا يتداخل، والمستحب إذا تلا آيات السجود: أن يقرأ كل واحدة منها بسجدة، فلم يؤخر السجود إلى آخر القراءة.
فإن قيل: فقد يمكن أن يسهو قبل السلام، فكان يجب تأخيره عن السلام.
قيل له: هذا أقصى ما يمكن التأخير؛ لأن السلام يخرج به من الصلاة، وهذا السجود ينبغي أن يكون مفعولًا في التحريمة؛ لأن هذا السجود عندهم يفعله في التحريمة، فوجب أن يكون قبل السلام؛ قياسًا على سائر أفعال الصلاة، وكما لو ذكر أنه نسي سجدة من صلاته، وهو جالس في التشهد، فإنه يسجد ويسلم، والذي يدل على أنه يُفعل في التحريمة: أن عندهم: سلّم، ثم سجد، فطلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح، بطلت صلاته، أو كان متيممًا، فوجد الماء في هذه الحال، أو دخل وقت العصر وهم في صلاة الجمعة، بطلت الصلاة، فدل بها على أنه عاد إلى التحريمة، فوجب أن يكون قبل السلام، وبهذا قالوا: لو تكلم، لم يسجد؛ لأن الكلام يقطع حكم التحريمة.
فإن قيل: المعنى في سجود التلاوة، وفي سائر موجبات التحريمة:
الجزء: 1 - الصفحة: 409
أن جميعها يُفعل قبل السلام.
قيل: لا يمتنع أن يُفعل بعضه في الصلاة، وبعضه خارجًا منها، كالصوم عن دم التمتع: بعضُه في الحج، وهو صوم الثلاثة، وبعضه خارج الحج؛ وهو صوم السبعة.
وقد قيل: بأن هذا السجود لإصلاح الصلاة، فيجب أن يكون قبل الخروج منها؛ قياسًا على ما ذكرنا.
فإن قيل: لا يمتنع أن يكون لإصلاحها، ويفعل خارجًا منها؛ كالجبران في الحج.
قيل له: موجبات تحريمة الحج يجوز خارج التحريمة، كذلك جبراناته، ولا يجوز موجبات تحريمة الصلاة خارج الصلاة، كذلك جبراناتها، وفي هذا ضعف؛ لأن موجبات تحريمة الحج إنما تأخرت عن تحريمته؛ لأن وقته لم يدخل، فأما وقت الجبران، فموجود، وقد جاز تأخره، وقد كان القياس يقتضي أن يفعله في الموضعين قبل السلام، ولكن تركنا القياس في ذلك؛ لما نذكره.
واحتج المخالف: بما روى أحمد - رحمه الله -، وذكره أبو بكر قال: نا ابن أبي عدي عن ابن عون، عن محمد، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشاء، فذكرها أبو هريرة، وحدثنا محمد قال: "فصلى ركعتين ثم سلم، فأتى خشبة في المسجد"، وذكر الخبر بطوله، قال: "فصلى الذي كان ترك، ثم سلّم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطولَ، ثم
الجزء: 1 - الصفحة: 410
رفع رأسه وكبر" 49. وروى شيخنا أبو عبد الله في كتابه 50 فقال: ثنا ابن سلم 51 قال: نا [ابن] 52 عبد الخالق 53 قال: نا أبو بكر 54 قال: نا أبو عبد الله 55 [قال: نا] 56 إسماعيل بن إبراهيم قال: نا خالد الحذاء عن أبي قلابة، عن أبي
الجزء: 1 - الصفحة: 411
المهلب، عن عمران بن حصين - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم في ثلاث ركعات من العصر، ثم قام فدخل إليه رجل يقال له: الخرباق، وكان في يده طول، فقال: يا رسول الله! فخرج إليه، فذكر صنيعه، فقال: "أصدق هذا؟ "، قالوا: نعم، فصلى الركعة التي ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتين 57.
والجواب: أنا نقول بموجب هذه الأخبار؛ لأنها واردة ممن سلَّم ساهيًا، وقد بينا أن ذلك يسجد له بعد السلام.
واحتج: بما روى أبو بكر الأثرم في كتابه، قال: نا أبو بكر 58 قال: نا محمد بن المنهال 59 قال: نا يزيد بن زُريع 60 قال: نا روح بن القاسم 61 عن منصور بن المعتمر 62، .....................
الجزء: 1 - الصفحة: 412
عن إبراهيم 63، عن علقمة بن قيس، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة -[لا أدري] زادَ فيها أم نقص -، فلما قضى صلاته، قلنا: يا رسول الله! أزيد في الصلاة شيء؟ قال: "ما ذاك؟ "، قال: صليت بنا كذا كذا، فثنى رجله، فسجد سجدتين، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: "إنما أنا بشر مثلكم، فإذا نسيت، فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاة، فليتحرَّ الصواب، فليتمه، ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين بعد ذلك" 64. ورواه أبو بكر أيضًا في كتابه بإسناده بهذا اللفظ، والدارقطني 65. وقد روى أبو بكر النجاد بإسناده عن علقمة: أن عبد الله سجد سجدتي السهو بعد السلام، وذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله 66. = توفي سنة 132 هـ. ينظر: التقريب ص 612.
الجزء: 1 - الصفحة: 413
والجواب: أنا نقول أيضًا بظاهر الخبر؛ لأنه وارد في التحري، وقد بينا أنه إذا تحرى، بنى على غالب ظنه، سجد بعد السلام.
واحتج: بما روى أحمد - رحمه الله - 67، [و] ذكره شيخنا في كتابه قال: نا الحكم بن نافع 68 عن إسماعيل بن عياش 69، عن عبيد الله بن عُبيدٍ الكَلَاعي 70، عن زهير 71، عن عبد الرحمن بن جبير 72، عن أبيه جُبير (6) بن نُفير 73، عن ثوبان - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لكلِّ سهوٍ سجدتان
الجزء: 1 - الصفحة: 414
بعد ما يسلِّم" 74. وروى أحمد - رحمه الله - أيضًا في المسند 75 قال: نا حجاج 76 قال: نا ابن جريج: أخبرني عبد الله بن مسافع 77: أن مصعب بن شيبة 78 أخبره عن عقبة بن محمد بن الحارث 79، عن عبد الله بن جعفر - رضي الله عنهما -: = توفي سنة 80 هـ. ينظر: التقريب ص 114.
الجزء: 1 - الصفحة: 415
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من شك في صلاته، فليسجد سجدتين بعد ما يسلِّم" 80.
والجواب: أن هذا محمول عليه إذا سلم ساهيًا، وقد بقي عليه شيء من صلاته، أو كان إمامًا، فتحرى؛ بدليل: ما ذكرنا من الأخبار.
واحتج: بأنه سجود ليس من مقتضى التحريمة، فوجب أن يفعل بعد السلام؛ كتكبيرات التشريق، والتلبية، وسجدة منذورة، ولا يلزم عليه سجود التلاوة؛ لأن التلاوة من مقتضى التحريمة، والسجود من مقتضاها، فهو مما اقتضاه مقتضى التحريمة.
والجواب: أن المعنى في الأصل: يجب فعله في التحريمة، فلهذا كان خارج الصلاة، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه يجب فعله في التحريمة من الوجه الذي ذكرنا، فكان قبل السلام كسائر الأفعال؛ ولأن هذا - وإن لم يكن من مقتضى التحريمة -، فهو إصلاح للتحريمة، وجبران للنقص الواقع فيها، فوجب أن يكون في التحريمة كما يكون مقتضى التحريمة.
واحتج: بأن السلام من موجب التحريمة، فوجب أن يكون مقدمًا = ابن حجر: (مقبول).
ينظر: التقريب ص 416.
الجزء: 1 - الصفحة: 416
على سجود السهو، دليله: سائر موجبات التحريمة.
والجواب: أن السلام ليس من موجبات التحريمة؛ لأنه ينافيها ويضادها، فلا يجوز أن (1) تقتضي ما يضادها، وإذا كان كذلك، فالوصف غير صحيح، وعلى أن سائر الأفعال لا يخرج بها من التحريمة، وليس كذلك التسليم؛ فإنه يخرج به من التحريمة، كما نقول: إذا كان عليه شيء من موجبات التحريمة، ثم نقابل هذا بمثله، فنقول: السجود يُؤدى في التحريمة، فوجب أن يكون مقدمًا على السلام من سائر أفعال الصلاة.
واحتج: بأنه سجود تعلق بالسهو، فكان محله بعد السلام، دليله: إذا سلم ساهيًا، وقد بقي عليه شيء من صلاته، أو كان إمامًا، فتحرى وبنى على غالب ظنه: أنه يسجد له بعد السلام، كذلك في بقية السجود.
والجواب: أن هذا قياس المنصوص على المنصوص عليه؛ لأن حديث أبي هريرة وعمران - رضي الله عنهما - يقتضي إذا سلم من نقصان، سجد بعد السلام، وحديث أبي سعيد - رضي الله عنه -: أنه يسجد قبل السلام، إذا بنى على اليقين، فقياس أحدهما على الآخر يقتضي إسقاط أحدهما، وعلى أنه لا يمتنع أن يختلف محله باختلاف سببه؛ كما أن صوم السبعة عن دم المتمتع يفعل بعد التحلل، وصوم الإحصار والحلق يفعل قبل التحلل.