مَسْألَة: يغسَّل السقط، ويُصلى عليه إذا استكمل أربعة أشهر، وإن لم يستهل:
نص على هذا في رواية أحمد بن أبي عبدة فقال: إذا أتى عليه أربعة أشهر صلي عليه؛ لأنه ينفخ فيه الروح.
وكذلك في رواية حنبل، وأبي الحارث، وقال: يغسل السقط ويصلى عليه بعد أربعة أشهر فإن كان أقل من ذلك فلا، واحتج بحديث ابن مسعود - رضي الله عنه -: في عشرين ومائة ينفخ فيه الروح، وتنقضي به العدة، وتعتق الأمة إذا دخل في الخلق الرابع.
وقال أبو حنيفة، ومالك رحمهما الله: إذا لم يستهل لم يغسل ولم يصل عليه.
وقال الشافعي رحمه الله: يغسل قولًا واحدًا، وفي الصلاة عليه قولان، قال في الجديد: لا يصلى عليه، وفي القديم: يصلى عليه.
دليلنا: ما روى أحمد رحمه الله في المسند بإسناده عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها والطفل يصلى عليه".
الجزء: 4 - الصفحة: 184
قال أحمد رحمه الله في رواية أحمد بن [أبي] 1 عبدة: حديث المغيرة بن شعبة: "والطفل يصلى عليه" مرفوع صحيح.
فوجه الدلالة: أنه قال: "يصلى عليه"، ولم يفرق بين أن يستهل أو لا يستهل.
وروى أبو بكر الأثرم في مسائله قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا خالد 2 ابن عبد الله عن يونس عن زياد بن جبير بن حية الثقفي عن أبيه عن المغيرة بن شعبة، قال يونس: وأحسب أهله أخبروني أنه رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: السقط يصلى عليه ويدعى لولديه بالمغفرة.
ولم يفرق بين الاستهلال وغيره.
ولأنه مسلم جرت فيه الروح، فجاز أن يغسل ويصلى عليه، دليله: إذا استهل، ولا يلزم عليه ما دون أربعة أشهر، لأنه لم تجر فيه الروح.
فإن قيل: ليس كل ما جرى فيه الروح وحصلت له الحياة يصلى عليه، ألا ترى أنه لو قطع عضوًا لم يصل عليه، وإن كنا قد علمنا الحياة فيه؟ !
قيل له: إن انفصل العضو بعد موته صلي عليه، وءان انفصل في حال حياته لم يصل عليه؛ لأنه تبع للجملة، والجملة لم يصل عليها.
وليس كذلك السقط؛ لأن له حكم نفسه.
الجزء: 4 - الصفحة: 185
فإن قيل: [السقط] 3 لا حكم له، ألا ترى أنه لا يرث، ولا يورث، ولا يضمن متلفه دية النفس الكاملة، ولا يصح له الوصية فهو كعضوٍ من أعضائها.
قيل له: إنما لم يرث؛ لأنها لم تتحقق حياته عند موت موروثه، وقولهم: لا يورث لا نسلمه؛ لأن ديته تكون موروثة عنه، وقولهم: لا يضمن بدية غير صحيح هو مضمون بالدية التي هي الغرة، ويضمن بالكفارة عندنا، وأما الوصية له فلم تصح؛ لأنه لا تتحقق حياته حين الوصية.
واحتج بعض من نصر هذه المسألة: أنه يُضمن بالغرة، وتنقضي به العدة، وتصير به أم الولد إن يغسل ويصل عليه، وهذا غير صحيح؛ لأن وجوب الضمان على الضارب؛ لأن [ ... ] 4 الحياة فيه، بدلالة أن وجوبه عليه قبل بلوغ الحد الذي يحصل فيه الحياة، وكذلك انقضاء العدة، وثبوت حكم الاستيلاد لا يتعلقان بحصول الحياة فيه، وإنما يتعلقان بكونه ولدًا، ألا ترى أنه لو استبان بعد خلقه انقضت به العدة، وصارت أم ولد، وإن لم يبلغ الحد الذي فيه الروح؟ ! وقد نص أحمد على هذا في رواية المروذي، وإبراهيم بن الحارث، إذا تبين منه يده أو رجله أو شيء من خلقه فقد عتقت [ ... ] 5 أسقطت ففيه الغرة، ولم
الجزء: 4 - الصفحة: 186
يعتبر الحد الذي فيه الروح.
واحتج المخالف: بما روى جابر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا استهل الصبي يصلى عليه"، دليله: إذا لم يستهل لم يصل عليه.
والجواب: أن دليل الخطاب ليس بحجة على أصل أبي حنيفة، وأما على أصلنا فهو حجة ما لم يعارضه دليل أخص منه، وقد عارضه القياس الذي ذكرنا، وهو أولى منه، وعلى أن دليل الخطاب عام في أربعة أشهر فيما 6 دون، فتحمله على ما دون أربعة أشهر بدليل ما ذكرنا.
واحتج: بما روى الزهري في مسند الحسين بن سفيان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا استهل الصبي صلي عليه وسمي وورث، وإن لم يستهل لم يصل عليه ولم يرث ولم يسم".
والجواب: أنا نحمل قوله: "ولم يستهل" ولم يبلغ الحد الذي فيه الروح، بدليل: ما ذكرنا.
واحتج: بأنه ينفصل من الأم ميتًا، فوجب أن لا يصلى عليه كما لو لم يستكمل أربعة أشهر.
والجواب: أنه إذا لم يستكمل أربعة أشهر علم أنه لم تجر فيه الروح، وما لم تجر فيه الروح فلا معنى من الصلاة عليه والدعاء له؛ لأنه لا يبعث ولا يحيى، وليس كذلك إذا استكمل، لأنه قد علم حصول الحياة
الجزء: 4 - الصفحة: 187
فيه فهو كما لو استهل.
52 -