ويجوز أن يجمّع في مصر واحد في موضعين 1 إذا كان = في الفروع (3/ 143): (ويوافقه ما احتج به القاضي وغيره في صحتها بلا سلطان؛ بما روى ابن المنذر عن ابن مسعود: أنه صلى بالناس لما أبطأ الوليد بن عقبة بالخروج، وصلى أبو موسى الأشعري بالناس حين أخرجوا سعيد بن العاص).
الجزء: 3 - الصفحة: 286
هناك حاجة تدعو إلى ذلك، مثل: البلد الكبير الذي تلحق المشقة في اجتماعهم في موضع واحد 2:
وهذا ظاهر كلام الخرقي - رحمه الله -؛ لأنه قال 3: وإذا كان البلد كبيرًا يحتاج إلى جوامع، فصلاة الجمعة في جميعها جائزة.
فاعتبر الحاجة، وكذلك ذكر شيخنا.
وقد أطلق أحمد - رحمه الله - القول في رواية المروذي 4 - وقد سئل عن صلاة الجمعة في مسجدين؟ -، فقال: صلِّ، فقيل له: إلى أي شيء تذهب؟ قال: إلى قول عليّ - رضي الله عنه - في العيد: أنه أمر رجلًا يصلي بضَعَفَة الناس.
وكذلك نقل أبو داود عنه 5: أنه سئل عن المسجدين اللذين يجمع فيهما ببغداد، هل فيه شيء متقدم؟ فقال: أكثرُ ما فيه أمرُ عليّ - رضي الله عنه - أن يصلي بالضعفة.
فقد أجاز ذلك على الإطلاق، وهذا محمول على الحاجة، وبه قال
الجزء: 3 - الصفحة: 287
محمد بن الحسن 6، وداود 7 - رحمهما الله -.
وقال مالك 8، والشافعي 9، وأبو يوسف 10 - رحمهم الله -: لا يجوز إقامتها في بلد واحد في موضعين، وقد نقل الأثرم 11 في كتاب العلل عن أحمد - رحمه الله - نحو هذا، فقال: قيل لأبي عبد الله: هل علمت أن أحدًا جمع جمعتين في مصر واحد؟ فقال: علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أمر رجلًا أن يصلي بضعفة الناس في المسجد، وصلى في الجبانة 12، ذلك في العيد، فأما جمعتان في مصر واحد، فلا أعلم أحدًا فعله، وجمعة بعد جمعة لا أعرفه.
والدلالة على جواز ذلك: أنها صلاة يجوز أن تجمع في مسجد واحد، فجاز أن تفعل في مسجدين؛ دليله: صلاة العيد، وسائر الصلوات،
الجزء: 3 - الصفحة: 288
وقد رُوي عن علي - رضي الله عنه -: أنه كان يستخلف أبا مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - ليصلي بضَعَفَة الناس صلاة العيد، ويخرج هو إلى الجبانة، فيصلي بالناس، وحكمُ الجبانة حكمُ المصر 13.
فإن قيل: لا حجة في حديث علي - رضي الله عنه -؛ لأن أبا بكر النجاد روى بإسناده عن حنش 14 قال 15: قيل لعلي - رضي الله عنه -: إن ضعفاء من ضعفاء [الناس] 16 لا يستطيعون الخروج إلى الجبانة، فأمر رجلًا يصلي بالناس أربع ركعات: ركعتين 17 للعيد، وركعتين (5) لمكان خروجهم إلى الجبانة.
وإذا ثبت أنه صلى بهم أربعًا، لم تكن صلاة عيد.
قيل له: روى النجاد بإسناده عن أبي إسحاق 18: أن عليًا - رضي الله عنه - أمر
الجزء: 3 - الصفحة: 289
رجلًا يصلي بضعفاء الناس في المسجد ركعتين 19.
وقال أحمد - رحمه الله - في رواية المروذي، والفضل: قد رُوي عن علي - رضي الله عنه - من غير وجه: ركعتان 20، والرواية التي رُوي فيها: أربعًا لا حجة فيها؛ لأنه قد رُوي فيها: أنه قال: ركعتان للعيد، وركعتان لمكان خروجهم [إلى] الجبانة، وهذا يقتضي أنه كان يصلي صلاة العيد ركعتين منفردتين، وركعتين كفارة؛ لمكان الخروج إلى الجبانة.
فإن قيل: صلاة العيد تطوع، ويجوز فعلُها في السفر والحضر، متفرقين ومجتمعين، فلهذا جاز فعلُها في مسجدين، وأكثر.
قيل له: هي واجبة عندنا، ومن شرطها الاستيطانُ، والجماعة، والإمام - على إحدى الروايتين -، وقد نص على إيجابها في رواية المروذي 21، وجعفر بن محمد (3) - وقد سئل عن العيد: أواجب هو؟ -، قال: نعم، فإن خرج بعضهم، فقد أجزأ.
فقد نص على وجوبها على الجماعة، ونص على الجماعة والإمام في رواية جعفر بن محمد (3): في أهل القرى يصلون أربعًا، إلا أن يخطب رجل، فيصلون ركعتين، وقد ذكره أبو بكر، وبناه على الجمعة، وأن من
الجزء: 3 - الصفحة: 290
شرطها: إمامًا، وجماعة، ويأتي الكلام على ذلك فيما بعد - إن شاء الله تعالى -.
وأيضًا: فإنه إذا صلى بهم الإمام في صلاة الخوف صلاة الجمعة، فصلى بالطائفة الأولى ركعة، وفارقته، وأتمت لأنفسها، وجاءت الطائفة الثانية، فأحرمت خلفه، فقد استفتحت جمعة بمصر بعد انعقاد غيرها فيه، كذلك ها هنا، وهما سواء؛ لأن هناك إنما جاز لأجل الحاجة، ومثله ها هنا.
فإن قيل: إنما يمنع استفتاح جمعة بمصر بعد انعقاد 22 غيرها فيه إذا قضيت، وها هنا الإمام ما فرغ من الجمعة، فجاز أن يحرموا خلفه بجمعة.
قيل: كان يجب أن يمنع الاستفتاح بالثانية بوجود الإحرام بالأولة، وإلا، يفضي إلى [أن] 23 يعقد جمعتان بمصر، ويحكم بصحتهما معًا حتى يعلم السابقة بالفراغ، وهذا لا سبيل إليه.
واحتج المخالف: بأن المدينة كان بها خلق كثير، وأئمة من الصحابة، والتابعين - رضي الله عنهم أجمعين -، ولم ينقل عنهم أنهم في وقت من الأوقات [صلوا] 24 في موضعين، وأكثر، فلو كان ذلك جائزًا؛ لوجب أن يكون قد وقع منهم في الزمان المديد.
الجزء: 3 - الصفحة: 291
والجواب: أنا لا نوجب تفريقها في مواضع، وعلى أن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لها في موضع واحد لا يدل على المنع في موضع آخر؛ كما أن فعلها في بلد واحد لا يمنع جواز فعلها في غيره؛ ولأن 25 الحاجة لم تَدْعُهم إلى جواز فعلها في موضعين.
واحتج: بأن تفريق الجماعة للجمعة في البلد الواحد - مع إمكان جمعها في موضع واحد - غيرُ جائز؛ قياسًا على ما زاد على موضعين، قال: ولا يلزم عليه إذا كان متباعد الأقطار؛ مثل: بغداد؛ لأنه لا يمكن جمع أهلها في موضع واحد إلا بمشقة عظيمة، فيجوز لهم أن يفعلوها في موضعين، وثلاثة، على حسب الإمكان.
والجواب: أن الخرقي - رحمه الله - 26: أجاز ذلك من غير أن يُخصّ بموضعين، لم يمتنع أن يجوز في موضعين، ولا يجوز في ثلاثة مواضع؛ كصلاة العيد.
وقد قيل: إن القياس يقتضي أن لا يجوز إلا في موضع واحد؛ لأنه لو جاز في موضعين، لجاز في سائر المساجد؛ كسائر الصلوات، ولجاز في سائر المواطن من السفر، والحضر؛ كسائر الصلوات، إلا أنا تركنا القياس في موضعين؛ لما ذكرنا من حديث علي - رضي الله عنه -، وأنه أقام العيد في موضعين، وحكمُها حكمُ الجمعة من الوجه الذي بيّنا.
الجزء: 3 - الصفحة: 292
واحتج: بأن هذه الصلاة سميت جمعة لا لجمع الجماعات، وقال الزجاج في كتابه (1): ومن قال في غير القراءة: جُمَعة - بضم الجيم، وفتح الميم -، فمعناه: الذي تجمع الناس، كما يقول: (رجل لُعَنة): إذا كثر لعن الناس (2)، و (رجل ضُحَكة): إذا كان يكثر الضحك، وضحكه: إذا كان يُضحَك منه.
وإذا كان كذلك، لم يجز تفريقها.
والجواب: أن فعلها في موضعين لا يخرجها عن أن تكون جامعة للناس؛ كما إذا فُعلت في بلدين، على أن الدارقطني روى في الأفراد (3) بإسناده عن سلمان - رضي الله عنه -: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما سميت الجمعة؛ لأن آدم - عليه السلام - جُمع فيها خَلْقُه" (4).
172 -