مَسْألَة: كل المرأة عورة إلا الوجه:
وقد أطلق أحمد القول بأن جميعها عورة، فقال في رواية النسائي 1: كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها، وكذلك قال في رواية أبي داود: إذا صلت لا يرى منها ولا ظفرها، وتغطي 2 كل شيء منها 3، وهذا محمول على ما عدا الوجه؛ لأنه قد نص في رواية 4 فيمن خطب امرأة فله أن ينظر إلى الوجه.
وقد ذكر الخرقي ذلك، قال: وإذا انكشف من المرأة شيء سوى وجهها، أعادت 5.
وقد أومأ أحمد - رحمه الله - في موضع آخر إلى أن جميعها عورة إلا الوجه والكفين 6، وقال في رواية حرب 7، ومحمد بن أبي حرب
الجرجرائي 1: في البائع تأتيه المرأة، فينظر في كفها ووجهها، فإن كانت عجوزًا، رجوت، وإن كانت شابة تُشتهى، فإني أكره ذلك.
فظاهر هذا: أن الكفين ليسا بعورة؛ لأنه أجاز النظر إليها إذا كانت عجوزًا، وبهذا قال مالك 2، والشافعي 3 - رحمهما الله -.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: جميعها عورة إلا الوجه، والكفين، والقدمين 4.
فالدلالة على أن الكفين والقدمين من العورة: قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31].
= وحرب هو: ابن إسماعيل بن خلف الحنظلي الكرماني، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، قال الخلال: (رجل جليل القدر)، وقال الذهبي: (مسائل حرب من أنفس كتب الحنابلة)، توفي سنة 280 هـ. ينظر: طبقات الحنابلة (1/ 388)، وسير أعلام النبلاء (13/ 244).
وروى أبو بكر 1 في كتابه قال: نا أحمد بن محمد 2 قال: نا حرب بن إسماعيل 3 قال: نا يحيى 4 قال: نا شريك 5 عن أبي إسحاق 6،
عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر 1، عن عبد الله في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، قال: الثياب 2.
وهذا يدل على أنَّ ما عدا ذلك عورة لا يجوز لها إبداؤه.
فإن قيل: فقد رُوي عن عبد الله: أنه قال: إلا ما ظهر منها الثياب، والقُرْط، والدملوج، والخَلْخال، والقلادة 3. = أعلام النبلاء (5/ 392)، وتهذيب التهذيب (3/ 284).
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: الوجه، والكفان 1.
قيل له: إذا اختلفوا فيما عدا الثياب، وجب أن يتعارضوا، ويخرج من الآية ما اتفقوا عليه، وهو الثياب، وما اختلفوا يبقى على ظاهر الآية، وهو المنع من إبدائه ولو خُلِّينا والظاهر، لقلنا: إن الوجه من العورة أيضًا، لكن قام الدليل على تخصيص ذلك.
وروى أيضًا بإسناده عن أم سلمة - رضي الله عنها -: أنها سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -: أتصلي المرأة في درع وخمار 2 ليس عليها إزار؟ قال: "إذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهور قدميها" 3، وهذا يدل على أن قدميها = والقرط: نوع من الحلي يعلق في شحمة الأذن.
والدملوج هو: سوار تضعه المرأة في عضدها.
والخلخال: ما تلبسه المرأة من الحلي، وموضعه الساق.
ينظر: المخصص لابن سيده (1/ 372)، والنهاية في غريب الحديث (قرط)، ولسان العرب (قرط، خلل).
عورة يجب سترها.
وذكر شيخنا 1 في كتابه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: ذكر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدلين من الثياب؟ قال: شبرًا، فقلت: شبرًا قليل تخرج منه العورة.
قال: "ذراع" 2، فسمَّت القدمين عورةً؛ لأن الكناية عنها، ولم ينكر ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأمر بأن يدلين الثوب أسفلَ من الكعبين ذراعًا، مع نهيه الرجال عن سَبْل الإزار أسفلَ الكعبين.
وحدثني أبو بكر محمد بن جعفر المؤدب 3 من أصحابنا بإسناده = والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: ما تصلي فيه المرأة من الثياب، رقم (3250)، قال ابن الجوزي في التحقيق (2/ 348)، وابن عبد الهادي في التنقيح (2/ 113): (فيه مقال، وهو أن عبد الرحمن بن عبد الله: ضعفه يحيى، وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به)، وفيه أم محمد لا تعرف، وصوب بعضهم وقفه.
ويراجع: الإرواء (1/ 303).
عن ابن مسعود - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "المرأة عورة" 1، وهذا يدخل تحته الكفان، والقدمان، والوجه أيضًا، إلا أن الإجماع خص الوجه، وبقي ما عداه على موجب الظاهر.
والقياس: أن الكفين والقدمين لا يجب كشفه في الإحرام، فوجب أن يكون 2 عورة منها، أصله: سائر بدنها، وعكسه الوجه، لما وجب عليها كشفه في الإحرام، لم يكن عورة.
واحتج المخالف: بأن اليدين والقدمين تظهران في العادة، وهو موضع الزينة، فأشبه الوجه.
والجواب: أنه يظهر في العادة منها عنقُها، وساعدُها، وبعض ساقها، وهذا كله عورة، فانتقض ما قاله.
واحتج: بأن اليدين عضو لا يجوز لها أن تغطيه في الإحرام بما عمل على قَدِّه 3، وهو القفازان، فلم يكن عورة.
دليله: الوجه:..............................
لا يجوز أن تغطيه بالبُرْقع (1). والجواب: أن المعنى في الوجه: أنه يجب عليها كشفه في الإحرام، واليدين: لا يجب كشفهما، فهما كالقدمين، والساقين، والله تعالى أعلم.
11 -